«وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ» ..والجيب فتحة الصدر في الثوب.والخمار غطاء الرأس والنحر والصدر.ليداري مفاتنهن،فلا يعرضها للعيون الجائعة ولا حتى لنظرة الفجاءة،التي يتقي المتقون أن يطيلوها أو يعاودوها،ولكنها قد تترك كمينا في أطوائهم بعد وقوعها على تلك المفاتن لو تركت مكشوفة! إن اللّه لا يريد أن يعرض القلوب للتجربة والابتلاء في هذا النوع من البلاء! والمؤمنات اللواتي تلقين هذا النهي.وقلوبهن مشرقة بنور اللّه،لم يتلكأن في الطاعة،على الرغم من رغبتهن الفطرية في الظهور بالزينة والجمال.وقد كانت المرأة في الجاهلية - كما هي اليوم في الجاهلية الحديثة! - تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء.وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها،وأقرطة أذنيها.فلما أمر اللّه النساء أن يضربن بخمرهن على جيوبهن،ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها،عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ،لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ) شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهِ [1] ...
وعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ,"قَالَتْ:بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ عَائِشَةَ قَالَتْ:وَذَكَرَتْ نِسَاءَ قُرَيْشٍ وَفَضْلَهُنَّ, فَقَالَتْ عَائِشَةُ:إِنَّ لِنِسَاءِ قُرَيْشٍ لَفَضْلا, وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ أَشَدَّ تَصْدِيقًا بِكِتَابِ اللَّهِ, وَلا إِيمَانًا بِالتَّنْزِيلِ لَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ:"وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ"انْقَلَبَ رِجَالُهُنَّ إِلَيْهِنَّ يَتْلُونَ عَلَيْهِنَّ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِنَّ فِيهَا, وَيَتْلُو الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ, وَعَلَى كُلِّ ذِي قَرَابَتِهِ, مَا مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ إِلا قَامَتْ إِلَى مِرْطِهَا الْمُرَحَّلِ فَاعْتَجَرَتْ بِهِ تَصْدِيقًا وَإِيمَانًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابِهِ, فَأَصْبَحْنَ يُصَلِّينَ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الصُّبْحَ مُعْتِجِرَاتٍ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِهِنَّ الْغِرْبَانَ" [2] .
لقد رفع الإسلام ذوق المجتمع الإسلامي،وطهر إحساسه بالجمال فلم يعد الطابع الحيواني للجمال هو المستحب،بل الطابع الإنساني المهذب ..وجمال الكشف الجسدي جمال حيواني يهفو إليه الإنسان بحس الحيوان مهما يكن من التناسق والاكتمال.فأما جمال الحشمة فهو الجمال النظيف،الذي يرفع الذوق الجمالي،ويجعله لائقا بالإنسان،ويحيطه بالنظافة والطهارة في الحس والخيال.
(1) - صحيح البخارى- المكنز [15 /473] 4758 معلقا وسنن أبي داود - المكنز [4 /105] (4104) صحيح
(2) - تفسير ابن أبي حاتم [10 /107] ( 15233) صحيح
ومعنى معتجرات:مختمرات كما جاء موضّحا في رواية البخاريّ المذكورة آنفا. فترى عائشة- رضي اللّه عنها- مع علمها، وفهمها وتقاها أثنت عليهنّ هذا الثّناء العظيم، وصرّحت بأنّها ما رأت أشدّ منهنّ تصديقا بكتاب اللّه، ولا إيمانا بالتّنزيل. وهو دليل واضح على أنّ فهمهنّ لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى:وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ من تصديقهنّ بكتاب اللّه وإيمانهنّ بتنزيله، وهو صريح في أنّ احتجاب النّساء عن الرّجال وسترهنّ وجوههنّ تصديق بكتاب اللّه وإيمان بتنزيله كما ترى، فالعجب كلّ العجب ممّن يدّعي من المنتسبين للعلم أنّه لم يرد في الكتاب ولا في السّنّة، ما يدلّ على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أنّ الصّحابيّات فعلن ذلك ممتثلات أمر اللّه في كتابه إيمانا بتنزيله، ومعنى هذا ثابت في الصّحيح كما تقدّم عن البخاريّ، وهذا أعظم الأدلّة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين كما ترى"."
نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم [4 /1519] وأضواء البيان (6/ 592- 595) .قلت:الخلاف منحصر بين وجوبه واستحبابه لغير نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -