فهرس الكتاب

الصفحة 3211 من 4997

وفاض بها في رحلة الإسراء والمعراج.فعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ قَالَ « نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ » [1] ..

ولكن الكيان البشري لا يقوى طويلا على تلقي ذلك الفيض الغامر دائما،ولا يستشرف طويلا ذلك الأفق البعيد.فبعد أن جلا النص هذا الأفق المترامي،عاد يقارب مداه،ويقربه إلى الإدراك البشري المحدود،في مثل قريب محسوس: « مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ.الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ.الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ،يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ.نُورٌ عَلى نُورٍ» ..

وهو مثل يقرب للإدراك المحدود صورة غير المحدود ويرسم النموذج المصغر الذي يتأمله الحس،حين يقصر عن تملي الأصل.وهو مثل يقرب للإدراك طبيعة النور حين يعجز عن تتبع مداه وآفاقه المترامية وراء الإدراك البشري الحسير.

ومن عرض السماوات والأرض إلى المشكاة.وهي الكوة الصغيرة في الجدار غير النافذة،يوضع فيها المصباح،فتحصر نوره وتجمعه،فيبدو قويا متألقا: «كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ» .. «الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ» ..تقيه الريح،وتصفي نوره،فيتألق ويزداد .. «الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ» ..فهي بذاتها شفافة رائقة سنية منيرة ..هنا يصل بين المثل والحقيقة.بين النموذج والأصل.حين يرتقي من الزجاجة الصغيرة إلى الكوكب الكبير،كي لا ينحصر التأمل في النموذج الصغير،الذي ما جعل إلا لتقريب الأصل الكبير ..وبعد هذه اللفتة يعود إلى النموذج.إلى المصباح: «يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ» ونور زيت الزيتون كان أصفى نور يعرفه المخاطبون.ولكن ليس لهذا وحده كان اختيار هذا المثل.إنما هو كذلك الظلال المقدسة التي تلقيها الشجرة المباركة.ظلال الوادي المقدس في الطور،وهو أقرب منابت الزيتون لجزيرة العرب.وفي القرآن إشارة لها وظلال حولها: «وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ» .وهي شجرة معمرة،وكل ما فيها مما ينفع الناس.زيتها وخشبها وورقها وثمرها ..ومرة أخرى يلتفت من النموذج الصغير ليذكر بالأصل الكبير.فهذه الشجرة ليست شجرة بعينها وليست متحيزة إلى مكان أو جهة.إنما هي مثل مجرد للتقريب: «لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ» ..وزيتها ليس زيتا من هذا المشهود المحدود،إنما هو زيت آخر عجيب: «يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ» ..فهو من الشفافية بذاته،ومن الإشراق بذاته،حتى ليكاد يضيء بغير احتراق «وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ» .. «نُورٌ عَلى نُورٍ» ..وبذلك نعود إلى النور العميق الطليق في نهاية المطاف! إنه نور اللّه الذي أشرقت به الظلمات في السماوات والأرض.النور الذي لا ندرك كنهه ولا مداه.إنما هي محاولة لوصل القلوب به،والتطلع إلى رؤياه: «يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ» ..ممن يفتحون قلوبهم للنور فتراه.فهو شائع في

(1) - صحيح مسلم- المكنز [2 /52] ( 461) وعند السيد رحمه الله عن عائشة وهو سبق قلم !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت