العذاب الذي لا طاقة لهم به،ولا نجاة لهم منه.ذلك هو يوم الحساب والعقاب: «يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ.وَيَقُولُونَ:حِجْرًا مَحْجُورًا.وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا» ..يوم يتحقق اقتراحهم الذي اقترحوه: «يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ» يومئذ لا يبشر المجرمون ولكن يعذبون.فيالها من استجابة لما يقولون! يومئذ يقولون: «حِجْرًا مَحْجُورًا» أي حراما محرما.وهي جملة اتقاء للشر وللأعداء كانوا يقولونها استبعادا لأعدائهم وتحرزا من أذاهم.وهي تجري في ذلك اليوم على ألسنتهم بحكم العادة من الذهول حين يفاجأون.ولكن أين هم اليوم مما كانوا يقولون! إن الدعاء لا يعصمهم ولا يمنعهم: « وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا» ..
هكذا في لحظة.والخيال يتبع حركة القدوم المجسمة المتخيلة - على طريقة القرآن في التجسيم والتخييل [1] - وعملية الإثارة للأعمال،والتذرية في الهواء فإذا كل ما عملوا في الدنيا من عمل صالح هباء.ذلك أنه لم يقم على الإيمان،الذي يصل القلب باللّه،والذي يجعل العمل الصالح منهجا مرسوما وأصلا قاصدا،لا خبط عشواء،ولا نزوة طارئة،ولا حركة مبتورة لا قصد لها ولا غاية.فلا قيمة لعمل مفرد لا يتصل بمنهج،ولا فائدة لحركة مفردة ليست حلقة من سلسلة ذات هدف معلوم.إن وجود الإنسان وحياته وعمله في نظرة الإسلام موصولة كلها بأصل هذا الكون،وبالناموس الذي يحكمه،والذي يصله كله باللّه.بما فيه الإنسان وما يصدر عنه من نشاط.فإذا انفصل الإنسان بحياته عن المحور الرئيسي الذي يربطه ويربط الكون،فإنه يصبح لقي ضائعا لا وزن له ولا قيمة،ولا تقدير لعمله ولا حساب.بل لا وجود لهذا العمل ولا بقاء.والإيمان هو الذي يصل الإنسان بربه فيجعل لعمله قيمة ووزنا،ويجعل له مكانه في حساب هذا الكون وبنائه.وهكذا تعدم أعمال أولئك المشركين.تعدم إعداما يصوره التعبير القرآني تلك الصورة الحسية المتخيلة: «وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا» ..
وهنا يلتفت إلى الجانب الآخر فإذا المؤمنون أصحاب الجنة ليتم التقابل في المشهد: «أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا» ..فهم مستقرون مستروحون ناعمون في الظلال.والاستقرار هنا يقابل خفة الهباء المنثور.والاطمئنان يقابل الفزع الذي يطلق الاستعاذة في ذهول.
ولقد كان الكفار يقترحون أن يأتيهم اللّه في ظلل من الغمام والملائكة.وربما كان ذلك تأثرا بالأساطير الإسرائيلية التي كانت تصور الإله يتراءى لهم في سحابة أو عمود من النار.فهنا يعود ليرسم مشهدا آخر يوم يتحقق اقتراحهم بنزول الملائكة إليهم: «وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ،وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا.الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ.وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا» .
(1) - يراجع فصل التخييل الحسي والتجسيم في كتاب «التصوير الفني في القرآن» . ويراجع كتاب «مشاهد القيامة في القرآن» . «دار الشروق» . (السيد رحمه الله )