فهرس الكتاب

الصفحة 3252 من 4997

ثم يعرض مشهدا من مشاهد ذلك اليوم،يصور ندم الظالمين الضالين.يعرضه عرضا طويلا مديدا،يخيل للسامع أنه لن ينتهي ولن يبرح.مشهد الظالم يعض على يديه من الندم والأسف والأسى: «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ:يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا.يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا.لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا» ..ويصمت كل شيء من حوله ويروح يمد في صوته المتحسر،ونبراته الأسيفة والإيقاع الممدود يزيد الموقف طولا ويزيد أثره عمقا.حتى ليكاد القارئ للآيات والسامع يشاركان في الندم والأسف والأسى! «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ» ..فلا تكفيه يد واحدة يعض عليها.إنما هو يداول بين هذه وتلك،أو يجمع بينهما لشدة ما يعانيه من الندم اللاذع المتمثل في عضه على اليدين.وهي حركة معهودة يرمز بها إلى حالة نفسية فيجسمها تجسيما.

« يَقُولُ:يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا» ..فسلكت طريقه،لم أفارقه،ولم أضل عنه ..الرسول الذي كان ينكر رسالته ويستبعد أن يبعثه اللّه رسولا!

عن مقسم في قوله: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) قال:اجتمع عقبة بن أبي معيط وأبيّ بن خلف، وكانا خليلين، فقال أحدهما لصاحبه:بلغني أنك أتيت محمدا فاستمعت منه، والله لا أرضى عنك حتى تتفل في وجهه وتكذّبه، فلم يسلطه الله على ذلك، فقتل عقبة يوم بدر صبرا .وأما أُبيّ بن خلف فقتله النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بيده يوم أُحد في القتال، وهما اللذان أنزل الله فيهما: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ) . [1]

وعن مجاهد: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ) قال:عقبة بن أبي معيط دعا مجلسا فيهم النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لطعام، فأبى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن يأكل، وقال:"ولا آكُل حتى تَشْهَدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رسُولُ الله"، فقال:ما أنت بآكل حتى أشهد؟ قال:"نعم"، قال:أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ مُحمَّدًا رسُولُ الله.فلقيه أمية بن خلف فقال:صبوت؟ فقال:إن أخاك على ما تعلم، ولكني صنعت طعاما فأبى أن يأكل حتى أقول ذلك، فقلته، وليس من نفسي. [2]

«يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا» ..فلانا بهذا التجهيل ليشمل كل صاحب سوء يصد عن سبيل الرسول ويضل عن ذكر اللّه .. «لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي» ..لقد كان شيطانا يضل،أو كان عونا للشيطان «وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا» يقوده إلى مواقف الخذلان،ويخذله عند الجد،وفي مواقف الهول والكرب ..وهكذا راح القرآن يهز قلوبهم هزا بهذه المشاهد المزلزلة،التي تجسم لهم مصيرهم المخيف،وتريهم إياه واقعا مشهودا،وهم بعد في هذه الأرض،يكذبون بلقاء

(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [19 /262] صحيح مرسل

(2) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [19 /263] صحيح مرسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت