فهرس الكتاب

الصفحة 3285 من 4997

أبناءهم ويستحيون نساءهم ويعذبونهم بالسخرة والنكال ..لذلك يقدم صفتهم ثم يعينهم «قَوْمَ فِرْعَوْنَ» ثم يعجب موسى من أمرهم ويعجب كل إنسان: «أَلا يَتَّقُونَ؟» ألا يخشون ربهم؟ ألا يخافون مغبة ظلمهم؟ ألا يرجعون عن غيهم؟ ألا إن أمرهم لعجيب يستحق التعجيب!

وكذلك كل من كان على شاكلتهم من الظالمين! ولم يكن أمر فرعون وملئه جديدا على موسى - عليه السّلام - فهو يعرفه،ويعرف ظلم فرعون وعتوه وجبروته،ويدرك أنها مهمة ضخمة وتكليف عظيم.ومن ثم يشكو إلى ربه ما به من ضعف وقصور لا ليتنصل أو يعتذر عن التكليف،ولكن ليطلب العون والمساعدة في هذا التكليف العسير: «قالَ:رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ.وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ.وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ» .

والظاهر من حكاية قوله - عليه السّلام - أن خوفه ليس من مجرد التكذيب،ولكن من حصوله في وقت يضيق فيه صدره ولا ينطلق لسانه فلا يملك أن يبين،وأن يناقش هذا التكذيب ويفنده.إذ كانت بلسانه حبسة هي التي قال عنها في سورة طه: «وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي» ومن شأن هذه الحبسة أن تنشئ حالة من ضيق الصدر،تنشأ من عدم القدرة على تصريف الانفعال بالكلام.وتزداد كلما زاد الانفعال،فيزداد الصدر ضيقا ..وهكذا ..وهي حالة معروفة.فمن هنا خشي موسى أن تقع له هذه الحالة وهو في موقف المواجهة بالرسالة لظالم جبار كفرعون.فشكا إلى ربه ضعفه وما يخشاه على تبليغ رسالته،وطلب إليه أن يوحي إلى هارون أخيه،ويشركه معه في الرسالة اتقاء للتقصير في أداء التكليف،لا نكوصا ولا اعتذارا عن التكليف.فهارون أفصح لسانا ومن ثم هو أهدأ انفعالا فإذا أدركت موسى حبسة أو ضيق نهض هارون بالجدل والمحاجة والبيان.ولقد دعا موسى ربه - كما ورد في سورة طه - ليحل هذه العقدة من لسانه،ولكنه زيادة في الاحتياط للنهوض بالتكليف طلب معه أخاه هارون وزيرا ومعينا ..

وكذلك الشأن في قوله: «وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ» ..فإن ذكره هنا ليس للخوف من المواجهة،والتخلي عن التكليف.ولكن له علاقة بالإرسال إلى هارون.حتى إذا قتلوه قام هارون من بعده قام هارون من بعده بالرسالة،وأتم الواجب كما أمره ربه دون تعويق.

فهو الاحتياط للدعوة لا للداعية.الاحتياط من أن يحتبس لسانه في الأولى وهو في موقف المنافحة عن رسالة ربه وبيانها،فتبدو الدعوة ضعيفة قاصرة.والاحتياط من أن يقتلوه في الثانية فتتوقف دعوة ربه التي كلف أداءها وهو على إبلاغها واطرادها حريص.وهذا هو الذي يليق بموسى - عليه السّلام - الذي صنعه اللّه على عينه،واصطنعه لنفسه.

ولما علمه ربه من حرصه هذا وإشفاقه واحتياطه أجابه إلى ما سأل،وطمأنه مما يخاف.والتعبير هنا يختصر مرحلة الاستجابة،ومرحلة الإرسال إلى هارون،ومرحلة وصول موسى إلى مصر ولقائه لهارون ويبرز مشهد موسى وهارون مجتمعين يتلقيان أمر ربهما الكريم،في نفس اللحظة التي يطمئن اللّه فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت