موسى وينفي مخاوفة نفيا شديدا،في لفظة تستخدم أصلا للردع وهي كلمة «كَلَّا» ! «قالَ:كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ.فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا:إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ.أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ» .
كلا.لن يضيق صدرك ويحتبس لسانك.وكلا لن يقتلوك.فأبعد هذا كله عن بالك بشدة.واذهب أنت وأخوك. «فَاذْهَبا بِآياتِنا» وقد شهد موسى منها العصا واليد البيضاء - والسياق يختصر هما هنا لأن التركيز في هذه السورة موجه إلى موقف المواجهة وموقف السحرة وموقف الغرق والنجاة.اذهبا «إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ» فأية قوة؟ وأي سلطان؟ وأي حماية ورعاية وأمان؟ واللّه معهما ومع كل إنسان في كل لحظة وفي كل مكان.
ولكن الصحبة المقصودة هنا هي صحبة النصر والتأييد.فهو يرسمها في صورة الاستماع.الذي هو أشد درجات الحضور والانتباه.وهذا كناية عن دقة الرعاية وحضور المعونة.وذلك على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير.
اذهباَأْتِيا فِرْعَوْنَ» فأخبراه بمهمتكما في غير حذر ولا تلجلج:قُولا:إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ»
وهما اثنان ولكنهما يذهبان في مهمة واحدة برسالة واحدة.فهما رسول.رسول رب العالمين.في وجه فرعون الذي يدعي الألوهية،ويقول لقومه: «ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي» فهي المواجهة القوية الصريحة بحقيقة التوحيد منذ اللحظة الأولى،بلا تدرج فيها ولا حذر.فهي حقيقة واحدة لا تحتمل التدرج والمداراة.
« إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ.أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ» .وواضح من هذا ومن أمثاله في قصة موسى - عليه السّلام - في القرآن،أنه لم يكن رسولا إلى فرعون وقومه ليدعوهم إلى دينه ويأخذهم بمنهج رسالته.إنما كان رسولا إليهم ليطلب إطلاق بني إسرائيل ليعبدوا ربهم كما يريدون.وقد كانوا أهل دين منذ أبيهم إسرائيل - وهو يعقوب أبو يوسف عليهما السلام - فبهت هذا الدين في نفوسهم،وفسدت عقائدهم فأرسل اللّه إليهم موسى لينقذهم من ظلم فرعون ويعيد تربيتهم على دين التوحيد.
وإلى هنا نحن أمام مشهد البعثة والوحي والتكليف.ولكن الستار يسدل.لنجدنا أمام مشهد المواجهة.
وقد اختصر ما هو مفهوم بين المشهدين على طريقة العرض القرآنية الفنية: «قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا،وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ؟ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ؟ قالَ:فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ.فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ،فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ.وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ» .
ويعجب فرعون وهو يرى موسى يواجهه بهذه الدعوى الضخمة:نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ» .