فهرس الكتاب
وهو يعلم أنه بمشيئة ربه يمرض ويصح - إنما يذكر ربه في مقام الإنعام والإفضال إذ يطعمه ويسقيه ..ويشفيه ..ولا يذكره في مقام الابتلاء حين يبتليه.
«وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ» ..فهو الإيمان بأن اللّه هو الذي يقضي الموت،وهو الإيمان بالبعث والنشور في استسلام ورضى عميق.
«وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» ..فأقصى ما يطمع فيه إبراهيم - عليه السّلام - النبي الرسول،الذي يعرف ربه هذه المعرفة،ويشعر بربه هذا الشعور،ويحس في قرارة نفسه هذه القربى ..أقصى ما يطمع فيه أن يغفر له ربه خطيئته يوم الدين.فهو لا يبرئ نفسه،وهو يخشى أن تكون له خطيئة،وهو لا يعتمد على عمله،ولا يرى أنه يستحق بعمله شيئا،إلا أنه يطمع في فضل ربه،ويرجو في رحمته،وهذا وحده هو الذي يطمعه في العفو والمغفرة.
إنه شعور التقوى،وشعور الأدب،وشعور التحرج وهو الشعور الصحيح بقيمة نعمة اللّه وهي عظيمة عظيمة،وقيمة عمل العبد وهو ضئيل ضئيل.
وهكذا يجمع إبراهيم في صفة ربه عناصر العقيدة الصحيحة:توحيد اللّه رب العالمين.والإقرار بتصريفه للبشر في أدق شؤون حياتهم على الأرض.والبعث والحساب بعد الموت وفضل اللّه وتقصير العبد.وهي العناصر التي ينكرها قومه،وينكرها المشركون.
ثم يأخذ إبراهيم الأواه المنيب في دعاء رخي مديد،يتوجه به إلى ربه في إيمان وخشوع «رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ.وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ.
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ.وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ.يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ،إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ»..
والدعاء كله ليس فيه طلب لعرض من أعراض هذه الأرض ولا حتى صحة البدن.إنه دعاء يتجه إلى آفاق أعلى تحركه مشاعر أصفى.ودعاء القلب الذي عرف اللّه فأصبح يحتقر ما عداه.والذي ذاق فهو يطلب المزيد والذي يرجو ويخاف في حدود ما ذاق وما يريد.
«رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا» ..أعطني الحكمة التي أعرف بها القيم الصحيحة والقيم الزائفة،فأبقى على الدرب يصلني بما هو أبقى.
«وألحقني بالصالحين» ..يقولها إبراهيم النبي الكريم الأواه الحليم.فيا للتواضع! ويا للتحرج! ويا للإشفاق من التقصير! ويا للخوف من تقلب القلوب! ويا للحرص على مجرد اللحاق بالصالحين! بتوفيق من ربه إلى العمل الصالح الذي يلحقه بالصالحين! «وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ» ..دعوة تدفعه إليها الرغبة في الامتداد،لا بالنسب ولكن بالعقيدة فهو يطلب إلى ربه أن يجعل له فيمن يأتون أخيرا لسان صدق يدعوهم إلى الحق،ويردهم إلى الحنيفية السمحاء دين إبراهيم.ولعلها هي دعوته في موضع آخر.إذ يرفع قواعد البيت الحرام هو وابنه إسماعيل ثم يقول:«رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ