فهرس الكتاب

الصفحة 3302 من 4997

لَكَ.وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ،وَأَرِنا مَناسِكَنا،وَتُبْ عَلَيْنا،إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ،وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ،وَيُزَكِّيهِمْ،إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [1] » ..وقد استجاب اللّه له،وحقق دعوته،وجعل له لسان صدق في الآخرين،وبعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ..وكانت الاستجابة بعد آلاف من السنين.هي في عرف الناس أمد طويل،وهي عند اللّه أجل معلوم،تقتضي حكمته أن تتحقق الدعوة المستجابة فيه.

« وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ» ..وقد دعا ربه - من قبل - أن يلحقه بالصالحين،بتوفيقه إلى العمل الصالح،الذي يسلكه في صفوفهم.وجنة النعيم يرثها عباد اللّه الصالحون.

«وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ» ..ذلك على الرغم مما لقيه إبراهيم - عليه السّلام - من أبيه من غليظ القول وبالغ التهديد.ولكنه كان قد وعده أن يستغفر له،فوفى بوعده.وقد بين القرآن فيما بعد أنه لا يجوز الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى وقرر أن إبراهيم استغفر لأبيه بناء على موعدة وعدها إياه «فلما تبين له أنه عدو للّه تبرأ منه» وعرف أن القرابة ليست قرابة النسب،إنما هي قرابة العقيدة ..وهذه إحدى مقومات التربية الإسلامية الواضحة.فالرابطة الأولى هي رابطة العقيدة في اللّه،ولا تقوم صلة بين فردين من بني البشر إلا على أساسها.فإذا قطعت هذه الصلة أنبتت سائر الوشائج وكانت البعدى التي لا تبقى معها صلة ولا وشيجة.

«وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ،يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ،إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» ..ونستشف من قولة إبراهيم - عليه السّلام: «وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ» مدى شعوره بهول اليوم الآخر ومدى حيائه من ربه،وخشيته من الخزي أمامه،وخوفه من تقصيره.وهو النبي الكريم.كما نستشف من قوله: «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» .مدى إدراكه لحقيقة ذلك اليوم.وإدراكه كذلك لحقيقة القيم.فليست هنالك من قيمة في يوم الحساب إلا قيمة الإخلاص.إخلاص القلب كله للّه،وتجرده من كل شائبة،ومن كل مرض،ومن كل غرض.وصفائه من الشهوات والانحرافات.وخلوه من التعلق بغير اللّه.فهذه سلامته التي - تجعل له قيمة ووزنا «يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ» ولا ينفع شيء من هذه القيم الزائلة الباطلة،التي يتكالب عليها المتكالبون في الأرض وهي لا تزن شيئا في الميزان الأخير!

وهنا يرد مشهد من مشاهد القيامة يرسم ذلك اليوم الذي يتقيه إبراهيم،فكأنما هو حاضر،ينظر إليه ويراه،وهو يتوجه لربه بذلك الدعاء الخاشع المنيب:«وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ.وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ.وَقِيلَ لَهُمْ:أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ؟ فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ،وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ.قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ:تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ.إِذْ نُسَوِّيكُمْ

(1) - الآيات 127،128،129من سورة البقرة. (السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت