منهم أجرا على الهدى،وإباؤه أن يطرد المؤمنين الفقراء الذين يستنكف منهم الكبراء - وهذا ما كان يواجهه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في مكة سواء بسواء - ثم دعاؤه لربه أن يفتح بينه وبين قومه.واستجابة اللّه له بإغراق المكذبين وتنجية المؤمنين.
«كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ» ..تلك هي النهاية.نهاية القصة.يبدأ بها لإبرازها منذ البداية.ثم يأخذ في التفصيل.وقوم نوح لم يكذبوا إلا نوحا.ولكنه يذكر أنهم كذبوا المرسلين.فالرسالة في أصلها واحدة،وهي دعوة إلى توحيد اللّه،وإخلاص العبودية له.فمن كذب بها فقد كذب بالمرسلين أجمعين،فهذه دعوتهم أجمعين.
والقرآن يؤكد هذا المعنى ويقرره في مواضع كثيرة،بصيغ متعددة،لأنه كلية من كليات العقيدة الإسلامية،تحتضن بها الدعوات جميعا وتقسم بها البشرية كلها إلى صفين:صف المؤمنين وصف الكافرين،على مدار الرسالات ومدار القرون.وينظر المسلم فإذا الأمة المؤمنة لكل دين وكل عقيدة من عند اللّه هي أمته،منذ فجر التاريخ إلى مشرق الإسلام دين التوحيد الأخير.وإذا الصف الآخر هم الكفار في كل ملة وفي كل دين.وإذا المؤمن يؤمن بالرسل جميعا،ويحترم الرسل جميعا،لأنهم جميعهم حملة رسالة واحدة هي رسالة التوحيد.
إن البشرية لا تنقسم في تقدير المسلم إلى أجناس وألوان وأوطان.إنما تنقسم إلى أهل الحق وأهل الباطل.
وهو مع أهل الحق ضد أهل الباطل.في كل زمان وفي كل مكان.وهكذا يتوحد الميزان في يد المسلم على مدار التاريخ كله وترتفع القيم في شعوره عن عصبية الجنس واللون واللغة والوطن،والقرابات الحاضرة أو الموغلة في بطن التاريخ.ترتفع فتصبح قيمة واحدة.هي قيمة الإيمان يحاسب بها الجميع،ويقوّم بها الجميع.
«كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ.إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ:أَلا تَتَّقُونَ؟ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ.فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ.فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ» .
هذه هي دعوة نوح التي كذبه فيها قومه - وهو أخوهم - وكان الأليق بالأخوة أن تقود إلى المسالمة والاطمئنان والإيمان والتصديق.ولكن قومه لم يأبهوا لهذه الصلة،ولم تلن قلوبهم لدعوة أخيهم نوح إذ قال لهم: «أَلا تَتَّقُونَ؟» وتخافون عاقبة ما أنتم فيه؟ وتستشعر قلوبكم خوف اللّه وخشيته؟
وهذا التوجيه إلى التقوى مطرد في هذه السورة.فهكذا قال اللّه عن فرعون وقومه لموسى وهو يكلفه التوجه إليهم.وهكذا قال نوح لقومه.وهكذا قال كل رسول لقومه من بعد نوح:
«إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ» ..لا يخون ولا يخدع ولا يغش،ولا يزيد شيئا أو ينقص شيئا مما كلفه من التبليغ. «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ» ..وهكذا يعود إلى تذكيرهم بتقوى اللّه،ويحددها في هذه المرة،وينسبها إلى اللّه تعالى،ويستجيش بها قلوبهم إلى الطاعة والتسليم.