فهرس الكتاب

الصفحة 3306 من 4997

ثم يطمئنهم من ناحية الدنيا وأعراضها،فما له فيها من أرب بدعوتهم إلى اللّه،وما يطلب منهم أجرا جزاء هدايتهم إليه،فهو يطلب أجره من رب الناس الذي كلفه دعوة الناس.وهذا التنبيه على عدم طلب الأجر يبدو أنه كان دائما ضروريا للدعوة الصحيحة،تمييزا لها مما عهده الناس في الكهان ورجال الأديان من استغلال الدين لسلب أموال العباد.وقد كان الكهنة ورجال الدين المنحرفون دائما مصدر ابتزاز للأموال بشتى الأساليب.

فأما دعوة اللّه الحقة فكان دعاتها دائما متجردين،لا يطلبون أجرا على الهدى.فأجرهم على رب العالمين.وهنا يكرر عليهم طلب التقوى والطاعة،بعد اطمئنانهم من ناحية الأجر والاستغلال: «فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ» ..ولكن القوم يطلعون عليه باعتراض عجيب.وهو اعتراض مكرور في البشرية مع كل رسول: «قالُوا:أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ؟» ..

وهم يعنون بالأرذلين الفقراء.وهم السابقون إلى الرسل والرسالات،وإلى الإيمان والاستسلام.لا يصدهم عن الهدى كبرياء فارغة،ولا خوف على مصلحة أو وضع أو مكانة.ومن ثم فهم الملبون السابقون.فأما الملأ من الكبراء فتقعد بهم كبرياؤهم،وتقعد بهم مصالحهم،القائمة على الأوضاع المزيفة،المستمدة من الأوهام والأساطير،التي تلبس ثوب الدين.ثم هم في النهاية يأنفون أن يسويهم التوحيد الخالص بالجماهير من الناس،حيث تسقط القيم الزائفة كلها،وترتفع قيمة واحدة.قيمة الإيمان والعمل الصالح.قيمة واحدة ترفع قوما وتخفض آخرين.بميزان واحد هو ميزان العقيدة والسلوك القويم.

ومن ثم يجيبهم نوح الجواب الذي يقرر القيم الثابتة ويحدد اختصاص الرسول،ويدع أمر الناس وحسابهم للّه على ما يعملون. «قالَ:وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ؟ إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ.وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ.إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» .والكبراء يقولون دائما عن الفقراء:إن عاداتهم وأخلاقهم لا ترضي العلية،ولا تطاق في أوساط الطبقة الراقية ذات الحس المرهف والذوق اللطيف! فنوح يقول لهم:إنه لا يطلب إلى الناس شيئا سوى الإيمان.وقد آمنوا.فأما عملهم قبله فموكول إلى اللّه،وهو الذي يزنه ويقدره.ويجزيهم على الحسنات والسيئات.وتقدير اللّه هو الصحيح «لَوْ تَشْعُرُونَ» بالقيم الحقة التي ترجح في ميزان اللّه.وما وظيفتي إلا الإنذار والإفصاح: «إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» .فلما أن واجههم نوح - عليه السّلام - بحجته الواضحة ومنطقة المستقيم وعجزوا عن المضي في الجدل بالحجة والبرهان،لجأوا إلى ما يلجأ إليه الطغيان كلما أعوزته الحجة،وخذله البرهان.لجأوا إلى التهديد بالقوة المادية الغليظة التي يعتمد عليها الطغاة في كل زمان ومكان،عند ما تعوزهم الحجة،ويعجزهم البرهان: «قالُوا:لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ» ..

وأسفر الطغيان عن وجهه الكالح،وكشف الضلال عن وسيلته الغليظة،وعرف نوح أن القلوب الجاسية لن تلين هنا توجه نوح إلى الولي الوحيد،والناصر الفريد،الذي لا ملجأ سواه للمؤمنين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت