كانت.ويرون الأمر الواحد في لحظة أسود.وفي لحظة أبيض.يرضون فيقولون قولا،ويسخطون فيقولون قولا آخر.ثم هم أصحاب أمزجة لا تثبت على حال! هذا إلى أنهم يخلقون عوالم من الوهم يعيشون فيها،ويتخيلون أفعالا ونتائج ثم يخالونها حقيقة واقعة يتأثرون بها.فيقل اهتمامهم بواقع الأشياء،لأنهم يخلقون هم في خيالهم واقعا آخر يعيشون عليه؟
وليس كذلك صاحب الدعوة المحددة،الذي يريد تحقيقها في عالم الواقع ودنيا الناس.فلصاحب الدعوة هدف،وله منهج،وله طريق.وهو يمضي في طريقه على منهجه إلى هدفه مفتوح العين،مفتوح القلب،يقظ العقل لا يرضى بالوهم،ولا يعيش بالرؤى،ولا يقنع بالأحلام،حتى تصبح واقعا في عالم الناس.
فمنهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومنهج الشعراء مختلفان،ولا شبهة هناك،فالأمر واضح صريح: «وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ.أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ.وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ؟!» .فهم يتبعون المزاج والهوى ومن ثم يتبعهم الغاوون الهائمون مع الهوى،الذين لا منهج لهم ولا هدف.وهم يهيمون في كل واد من وديان الشعور والتصور والقول،وفق الانفعال الذي يسيطر عليهم في لحظة من اللحظات تحت وقع مؤثر من المؤثرات.وهم يقولون ما لا يفعلون.لأنهم يعيشون في عوالم من صنع خيالهم ومشاعرهم،يؤثرونها على واقع الحياة الذي لا يعجبهم! ومن ثم يقولون أشياء كثيرة ولا يفعلونها،لأنهم عاشوها في تلك العوالم الموهومة،وليس لها واقع ولا حقيقة في دنيا الناس المنظورة! إن طبيعة الإسلام - وهو منهج حياة كامل معد للتنفيذ في واقع الحياة،وهو حركة ضخمة في الضمائر المكنونة وفي أوضاع الحياة الظاهرة - إن طبيعة الإسلام هذه لا تلائمها طبيعة الشعراء كما عرفتهم البشرية - في الغالب - لأن الشاعر يخلق حلما في حسه ويقنع به.فأما الإسلام فيريد تحقيق الحلم ويعمل على تحقيقه،ويحول المشاعر كلها لتحقق في عالم الواقع ذلك النموذج الرفيع.
والإسلام يحب للناس أن يواجهوا حقائق الواقع ولا يهربوا منها إلى الخيال المهوّم.فإذا كانت هذه الحقائق لا تعجبهم،ولا تنفق مع منهجه الذي يأخذهم به،دفعهم إلى تغييرها،وتحقيق المنهج الذي يريد.
ومن ثم لا تبقى في الطاقة البشرية بقية للأحلام المهوّمة الطائرة.فالإسلام يستغرق هذه الطاقة في تحقيق الأحلام الرفيعة،وفق منهجه الضخم العظيم.ومع هذا فالإسلام لا يحارب الشعر والفن لذاته - كما قد يفهم من ظاهر الألفاظ.إنما يحارب المنهج الذي سار عليه الشعر والفن.منهج الأهواء والانفعالات التي لا ضابط لها ومنهج الأحلام المهومة التي تشغل أصحابها عن تحقيقها.فأما حين تستقر الروح على منهج الإسلام،وتنضح بتأثراتها الإسلامية شعرا وفنا وتعمل في الوقت ذاته على تحقيق هذه المشاعر النبيلة في دنيا الواقع ولا تكتفي بخلق عوالم وهمية تعيش فيها،وتدع واقع الحياة كما هو مشوها