وكذلك بين اللّه له كيف يعامل العصاة فيكلهم إلى ربهم،ويبرأ مما يعملون: «فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ:إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ» ..
وكان هذا في مكة،قبل أن يؤمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقتال المشركين.
ثم يتوجه به - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه،يصله به صلة الرعاية الدائمة القريبة: «وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ.الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ.وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ.إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» .
دعهم وعصيانهم،متبرئا من أعمالهم،وتوجه إلى ربك معتمدا عليه،مستعينا في أمرك كله به.ويصفه - سبحانه - بالصفتين المكررتين في هذه السورة:العزة والرحمة.ثم يشعر قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالأنس والقربى.فربه يراه في قيامه وحده للصلاة،ويراه في صفوف الجماعة الساجدة.يراه في وحدته ويراه في جماعة المصلين يتعهدهم وينظمهم ويؤمهم ويتنقل بينهم.يرى حركاته وسكناته،ويسمع خطراته ودعواته: «إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ..وفي التعبير على هذا النحو إيناس بالرعاية والقرب والملاحظة والعناية.وهكذا كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يشعر أنه في كنف ربه،وفي جواره وقربه.وفي جو هذا الأنس العلوي كان يعيش ..
والجولة الأخيرة في السورة حول القرآن أيضا.ففي المرة الأولى أكد أنه تنزيل من رب العالمين.نزل به الروح الأمين.وفي المرة الثانية نفى أن تتنزل به الشياطين.أما في هذه المرة فيقرر أن الشياطين لا تتنزل على مثل محمد - صلى الله عليه وسلم - في أمانته وصدقه وصلاح منهجه إنما تتنزل على كل كذاب آثم ضال من الكهان الذين يتلقون إيحاءات الشياطين ويذيعونها مع التضخيم والتهويل: «هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ؟ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ.يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ» ..
وكان في العرب كهان يزعمون أن الجن تنقل إليهم الأخبار،وكان الناس يلجأون إليهم ويركنون إلى نبوءاتهم.وأكثرهم كاذبون.والتصديق بهم جري وراء الأوهام والأكاذيب.وهم على أية حال لا يدعون إلى هدى ،ولا يأمرون بتقوى،ولا يقودون إلى إيمان.وما هكذا كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو يدعو الناس بهذا القرآن إلى منهج قويم.
ولقد كانوا يقولون عن القرآن أحيانا:إنه شعر،ويقولون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه شاعر.وهم في حيرتهم كيف يواجهون هذا القول الذي لا يعرفون له نظيرا،والذي يدخل إلى قلوب الناس،ويهز مشاعرهم،ويغلبهم على إرادتهم من حيث لا يملكون له ردا.
فجاء القرآن يبين لهم في هذه السورة أن منهج محمد - صلى الله عليه وسلم - ومنهج القرآن غير منهج الشعراء ومنهج الشعر أصلا.فإن هذا القرآن يستقيم على نهج واضح،ويدعو إلى غاية محددة،ويسير في طريق مستقيم إلى هذه الغاية.والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يقول اليوم قولا ينقضه غدا،ولا يتبع أهواء وانفعالات متقلبة إنما يصر على دعوة،ويثبت على عقيدة،ويدأب على منهج لا عوج فيه.والشعراء ليسوا كذلك.الشعراء أسرى الانفعالات والعواطف المتقلبة.تتحكم فيهم مشاعرهم وتقودهم إلى التعبير عنها كيفما