فهرس الكتاب

الصفحة 3343 من 4997

البشر.ذلك كي يطامن الملك من عظمته الإنسانية أمام هذه العظمة الإلهية: «اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» ..فيلمس قلب سليمان - في سياق التعقيب على صنع الملكة وقومها - بهذه الإشارة الخفية! ونجد أنفسنا أمام هدهد عجيب.صاحب إدراك وذكاء وإيمان،وبراعة في عرض النبأ،ويقظة إلى طبيعة موقفه،وتلميح وإيماء أريب ..فهو يدرك أن هذه ملكة وأن هؤلاء رعية.ويدرك أنهم يسجدون للشمس من دون اللّه.ويدرك أن السجود لا يكون إلا للّه الذي يخرج الخبء في السموات والأرض،وأنه هو رب العرش العظيم ..وما هكذا تدرك الهداهد.إنما هو هدهد خاص أوتي هذا الإدراك الخاص،على سبيل الخارقة التي تخالف المألوف.

ولا يتسرع سليمان في تصديقه أو تكذيبه ولا يستخفه النبأ العظيم الذي جاءه به.إنما يأخذ في تجربته،للتأكد من صحته.شأن النبي العادل والملك الحازم: «قالَ:سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ.اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ،ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ،فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ» .

ولا يعلن في هذا الموقف فحوى الكتاب،فيظل ما فيه مغلقا كالكتاب نفسه،حتى يفتح ويعلن هناك.

وتعرض المفاجأة الفنية في موعدها المناسب! ويستدل الستار على هذا المشهد ليرفع فإذا الملكة وقد وصل إليها الكتاب،وهي تستشير الملأ من قومها في هذا الأمر الخطير: «قالَتْ:يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ،وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» ..فهي تخبرهم أنه ألقي إليها كتاب.ومن هذا نرجح أنها لم تعلم من ألقى إليها الكتاب،أو لا كيف ألقاه.ولو كانت تعرف أن الهدهد هو الذي جاء به - كما تقول التفاسير - لأعلنت هذه العجيبة التي لا تقع كل يوم.ولكنها قالت بصيغة المجهول.مما يجعلنا نرجح أنها لم تعلم كيف ألقي إليها ولا من ألقاه.وهي تصف الكتاب بأنه «كريم» .وهذا الوصف ربما خطر لها من خاتمة أو شكله.أو من محتوياته التي أعلنت عنها للملأ: «إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ،وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» ..وهي كانت لا تعبد اللّه.ولكن صيت سليمان كان ذائعا في هذه الرقعة،ولغة الكتاب التي يحكيها القرآن فيها استعلاء وحزم وجزم.مما قد يوحي إليها بهذا الوصف الذي أعلنته.

وفحوى الكتاب في غاية البساطة والقوة.فهو مبدوء باسم اللّه الرحمن الرحيم.ومطلوب فيه أمر واحد:ألا يستكبروا على مرسله ويستعصوا،وأن يأتوا إليه مستسلمين للّه الذي يخاطبهم باسمه.

ألقت الملكة إلى الملأ من قومها بفحوى الكتاب ثم استأنفت الحديث تطلب مشورتهم،وتعلن إليهم أنها لن تقطع في الأمر إلا بعد هذه المشورة،برضاهم وموافقتهم: «قالَتْ:يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ» ..

وفي هذا تبدو سمة الملكة الأريبة فواضح منذ اللحظة الأولى أنها أخذت بهذا الكتاب الذي ألقي إليها من حيث لا تعلم،والذي يبدو فيه الحزم والاستعلاء.وقد نقلت هذا الأثر إلى نفوس الملأ من قومها وهي تصف الكتاب بأنه «كريم» وواضح أنها لا تريد المقاومة والخصومة،ولكنها لا تقول هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت