فهرس الكتاب

الصفحة 3344 من 4997

صراحة،إنما تمهد له بذلك الوصف.ثم تطلب الرأي بعد ذلك والمشورة! وعلى عادة رجال الحاشية أبدوا استعدادهم للعمل.ولكنهم فوضوا للملكة الرأي: «قالُوا:نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ.وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ» .وهنا تظهر شخصية «المرأة» من وراء شخصية الملكة.المرأة التي تكره الحروب والتدمير.والتي تنضي سلاح الحيلة والملاينة قبل أن تنضي سلاح القوة والمخاشنة:

«قالَتْ:إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها،وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ» ! فهي تعرف أن من طبيعة الملوك أنهم إذا دخلوا قرية (والقرية تطلق على المدينة الكبيرة) أشاعوا فيها الفساد،وأباحوا ذمارها،وانتهكوا حرماتها،وحطموا القوة المدافعة عنها،وعلى رأسها رؤساؤها وجعلوهم أذلة لأنهم عنصر المقاومة.وأن هذا هو دأبهم الذي يفعلونه.والهدية تلين القلب،وتعلن الود،وقد تفلح في دفع القتال.وهي تجربة.فإن قبلها سليمان فهو إذن أمر الدنيا،ووسائل الدنيا إذن تجدي.وإن لم يقبلها فهو إذن أمر العقيدة،الذي لا يصرفه عنه مال،ولا عرض من أعراض هذه الأرض.

ويسدل الستار على المشهد،ليرفع،فإذا مشهد رسل الملكة وهديتهم أمام سليمان.وإذا سليمان ينكر عليهم اتجاههم إلى شرائه بالمال،أو تحويله عن دعوتهم إلى الإسلام.ويعلن في قوة وإصرار تهديده ووعيده الأخير.

« فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ:أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ؟ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ.بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ.ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها،وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ» ..

وفي الرد استهزاء بالمال،واستنكار للاتجاه إليه في مجال غير مجاله.مجال العقيدة والدعوة: «أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ؟» أتقدمون لي هذا العرض التافه الرخيص؟ «فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ» لقد آتاني من المال خيرا مما لديكم.ولقد آتاني ما هو خير من المال على الإطلاق:العلم والنبوة.وتسخير الجن والطير،فما عاد شيء من عرض الأرض يفرحني «بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ» .وتهشون لهذا النوع من القيم الرخيصة التي تعني أهل الأرض،الذين لا يتصلون باللّه،ولا يتلقون هداياه! ثم يتبغ هذا الاستنكار بالتهديد: «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ» بالهدية وانتظروا المصير المرهوب: «فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها» جنود لم تسخر للبشر في أي مكان،ولا طاقة للملكة وقومها بهم في نضال: «وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ» مدحورون مهزومون.

ويسدل الستار على هذا المشهد العنيف وينصرف الرسل،ويدعهم السياق لا يشير إليهم بكلمة كأنما قضي الأمر،وانتهى الكلام في هذا الشأن.

ثم إذا سليمان - عليه السّلام - يدرك أن هذا الرد سينهي الأمر مع ملكة لا تريد العداء - كما يبدو من طريقتها في مقابلة رسالته القوية بهدية! - ويرجح أنها ستجيب دعوته.أو يؤكد.وقد كان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت