فهرس الكتاب

الصفحة 3372 من 4997

ومما يلاحظ أن المشاهد في سورة النمل مشاهد حوار وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير والجن وسليمان عليه السّلام.فجاء ذكر «الدابة» وتكليمها الناس متناسقا مع مشاهد السورة وجوها،محققا لتناسق التصوير في القرآن،وتوحيد الجزئيات التي يتألف منها المشهد العام [1] .

ويعبر السياق من هذه العلامة الدالة على اقتراب الساعة،إلى مشهد الحشر!

«وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ» ..والناس كلهم يحشرون.إنما شاء أن يبرز موقف المكذبين «فَهُمْ يُوزَعُونَ» يساقون أولهم على آخرهم،حيث لا إرادة لهم ولا وجهة ولا اختيار. {حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) } [النمل:84]

والسؤال الأول للتخجيل والتأنيب.فمعروف أنهم كذبوا بآيات اللّه.أما السؤال الثاني فملؤه التهكم،وله في لغة التخاطب نظائر:أكذبتم؟ أم كنتم تعملون ماذا؟ فما لكم عمل ظاهر يقال:إنكم قضيتم حياتكم فيه،إلا هذا التكذيب المستنكر الذي ما كان ينبغي أن يكون ..ومثل هذا السؤال لا يكون عليه جواب إلا الصمت والوجوم،كأنما وقع على المسئول ما يلجم لسانه ويكبت جنانه:

«وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ» ..

وحق عليهم القضاء بسبب ظلمهم في الدنيا،وهم واجمون صامتون! ذلك على حين نطقت الدابة قبيل ذلك.وها هم الناس لا ينطقون! وذلك من بدائع التقابل في التعبير القرآني،وفي آيات اللّه التي يعبر عنها هذا القرآن.

ونسق العرض في هذه الجولة ذو طابع خاص،هو المزاوجة بين مشاهد الدنيا ومشاهد الآخرة،والانتقال من هذه إلى تلك في اللحظة المناسبة للتأثر والاعتبار.

وهو هنا ينتقل من مشهد المكذبين بآيات اللّه،المبهوتين في ساحة الحشر إلى مشهد من مشاهد الدنيا،كان جديرا أن يوقظ وجدانهم،ويدعوهم إلى التدبر في نظام الكون وظواهره،ويلقي في روعهم أن هناك إلها يرعاهم،ويهيئ لهم أسباب الحياة والراحة،ويخلق الكون مناسبا لحياتهم لا مقاوما لها ولا حربا عليها ولا معارضا لوجودها أو استمرارها: «أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا؟ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» .

ومشهد الليل الساكن،ومشهد النهار المبصر،خليقان أن يوقظا في الإنسان وجدانا دينيا يجنح إلى الاتصال باللّه،الذي يقلب الليل والنهار،وهما آيتان كونيتان لمن استعدت نفسه للإيمان،ولكنهم لا يؤمنون.

(1) - يراجع فصل التناسق الفني في كتاب:التصوير الفني في القرآن من ص 86 إلى ص 107 من الطبعة الثالثة. «دار الشروق» . (السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت