ولو لم يكن هناك ليل فكان الدهر كله نهارا لانعدمت الحياة على وجه الأرض وكذلك لو كان الدهر كله ليلا.لا بل إنه لو كان النهار أو الليل أطول مما هما الآن عشر مرات فقط لحرقت الشمس في النهار كل نبات،ولتجمد في الليل كل نبات.وعندئذ تستحيل الحياة.ففي الليل والنهار بحالتهما الموافقة للحياة آيات.ولكنهم لا يؤمنون.
ومن آيتي الليل والنهار في الأرض،وحياتهم الآمنة المكفولة في ظل هذا النظام الكوني الدقيق يعبر بهم في ومضة إلى يوم النفخ في الصور،وما فيه من فزع يشمل السماوات والأرض ومن فيهن من الخلائق إلا من شاء اللّه.وما فيه من تسيير للجبال الرواسي التي كانت علامة الاستقرار وما ينتهي إليه هذا اليوم من ثواب بالأمن والخير،ومن عقاب بالفزع والكب في النار: « وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ.وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً،وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ،صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيء، إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ.مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها،وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ.وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ.هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» ..
والصور البوق ينفخ فيه.وهذه هي نفخة الفزع الذي يشمل كل من في السماوات ومن في الأرض - إلا من شاء اللّه أن يأمن ويستقر ..قيل هم الشهداء ..وفيها يصعق كل حي في السماوات والأرض إلا من شاء اللّه.ثم تكون نفخة البعث.ثم نفخة المحشر.وفي هذه يحشر الجميع «وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ» أذلاء مستسلمين.ويصاحب الفزع الانقلاب الكوني العام الذي تختل فيه الأفلاك،وتضطرب دورتها.ومن مظاهر هذا الاضطراب أن تسير الجبال الراسية،وتمر كأنها السحاب في خفته وسرعته وتناثره.ومشهد الجبال هكذا يتناسق مع ظل الفزع،ويتجلى الفزع فيه وكأنما الجبال مذعورة مع المذعورين،مفزوعة مع المفزوعين،هائمة مع الهائمين الحائرين المنطلقين بلا وجهة ولا قرار! «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ» .سبحانه! يتجلى إتقان صنعته في كل شيء في هذا الوجود.فلا فلتة ولا مصادفة،ولا ثغرة ولا نقص،ولا تفاوت ولا نسيان.ويتدبر المتدبر كل آثار الصنعة المعجزة،فلا يعثر على خلة واحدة متروكة بلا تقدير ولا حساب.في الصغير والكبير،والجليل والحقير.فكل شيء بتدبير وتقدير،يدبر الرؤوس التي تتابعه وتتملاه [1] . «إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ» ..
وهذا يوم الحساب عما تفعلون.قدره اللّه الذي اتقن كل شيء.وجاء به في موعده لا يستقدم ساعة ولا يستأخر ليؤدي دوره في سنة الخلق عن حكمة وتدبير وليحقق التناسق بين العمل والجزاء في الحياتين المتصلتين المتكاملتين، «صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ» .
(1) - يراجع تفسير قوله تعالى: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا» في سورة الفرقان. الجزء التاسع عشر. (السيد رحمه الله )