في هذا اليوم المفزع الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدنيا،فوق ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم وأوفر: «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها.وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ» .والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء.وما بعده فضل من اللّه ومنة.ولقد خافوا اللّه في الدنيا فلم يجمع عليهم خوف الدنيا وفزع الآخرة.بل أمنهم يوم يفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه.
«وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ» ..وهو مشهد مفزع.وهم يكبون في النار على وجوههم.ويزيد عليهم التبكيت والتوبيخ! «هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؟» ..فقد تنكبوا الهدى،وأشاحوا عنه بوجوههم فهم يجزون به كبا لهذه الوجوه في النار وقد أعرضت من قبل عن الحق الواضح وضوح الليل والنهار.
وفي النهاية تجيء الإيقاعات الأخيرة:حيث يلخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعوته ومنهجه في الدعوة ويكلهم إلى مصيرهم الذي يرتضونه لأنفسهم بعد ما مضى من بيان ويختم بحمد اللّه كما بدأ،ويدعهم إلى اللّه يكشف لهم آياته،ويحاسبهم على ما يعملون: « إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها،وَلَهُ كُلُّ شَيء، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ،فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ،وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ:إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ.وَقُلِ:الْحَمْدُ لِلَّهِ،سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها.وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» ..وهم كانوا يدينون بحرمة البلدة الحرام والبيت الحرام وكانوا يستمدون سيادتهم على العرب من عقيدة تحريم البيت ثم لا يوحدون اللّه الذي حرمه وأقام حياتهم كلها عليه.
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقوّم العقيدة كما ينبغي أن تقوّم،فيعلن أنه مأمور أن يعبد رب هذه البلدة الذي حرمها،لا شريك له ويكمل التصور الإسلامي للألوهية الواحدة،فرب هذه البلدة هو رب كل شيء في الوجود «وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ» ويعلن أنه مأمور بأن يكون من المسلمين.المسلمين كل ما فيهم له.لا شركة فيهم لسواه.وهم الرعيل الممتد في الزمن المتطاول من الموحدين المستسلمين.هذا قوام دعوته.أما وسيلة هذه الدعوة فهي تلاوة القرآن: «وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ» ..
فالقرآن هو كتاب هذه الدعوة ودستورها ووسيلتها كذلك.وقد أمر أن يجاهد به الكفار.وفيه وحده الغناء في جهاد الأرواح والعقول.وفيه ما يأخذ على النفوس أقطارها،وعلى المشاعر طرقها وفيه ما يزلزل القلوب الجاسية ويهزها هزا لا تبقى معه على قرار.وما شرع القتال بعد ذلك إلا لحماية المؤمنين من الفتنة،وضمان حرية الدعوة بهذا القرآن،والقيام على تنفيذ الشرائع بقوة السلطان.أما الدعوة ذاتها فحسبها كتابها .. «وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ» ..
«فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ.وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ:إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ» ..
وفي هذا تتمثل فردية التبعة في ميزان اللّه،فيما يختص بالهدى والضلال.وفي فردية التبعة تتمثل كرامة هذا الإنسان،التي يضمنها الإسلام،فلا يساق سوق القطيع إلى الإيمان.إنما هي تلاوة القرآن،وتركه