فهرس الكتاب

الصفحة 3387 من 4997

ثم استطرد في فزع مما دفعه إليه الغضب،يعترف بظلمه لنفسه أن حملها هذا الوزر،ويتوجه إلى ربه،طالبا مغفرته وعفوه: «قالَ:رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي» ..واستجاب اللّه إلى ضراعته،وحساسيته،واستغفاره: «فَغَفَرَ لَهُ.إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» ..

وكأنما أحس موسى بقلبه المرهف وحسه المتوفز في حرارة توجهه إلى ربه،أن ربه غفر له.والقلب المؤمن يحس بالاتصال والاستجابة للدعاء،فور الدعاء،حين يصل إرهافه وحساسيته إلى ذلك المستوي وحين تصل حرارة توجهه إلى هذا الحد ..وارتعش وجدان موسى - عليه السّلام - وهو يستشعر الاستجابة من ربه،فإذا هو يقطع على نفسه عهدا،يعده من الوفاء بشكر النعمة التي أنعمها عليه ربه: «قالَ:رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ» ..

فهو عهد مطلق ألا يقف في صف المجرمين ظهيرا ومعينا.وهو براءة من الجريمة وأهلها في كل صورة من صورها.حتى ولو كانت اندفاعا تحت تأثير الغيظ،ومرارة الظلم والبغي.

ذلك بحق نعمة اللّه عليه في قبول دعائه ثم نعمته في القوة والحكمة والعلم التي آتاه اللّه من قبل.

وهذه الارتعاشة العنيفة،وقبلها الاندفاع العنيف،تصور لنا شخصية موسى - عليه السّلام - شخصية انفعالية،حارة الوجدان،قوية الاندفاع.وسنلتقي بهذه السمة البارزة في هذه الشخصية في مواضع أخرى كثيرة.

بل نحن نلتقي بها في المشهد الثاني في هذه الحلقة مباشرة: «فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ،قالَ لَهُ مُوسى:إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ.فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ:يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ؟ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ،وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ» ..

لقد انتهت المعركة الأولى بالقضاء على القبطي،وندم موسى على فعلته،وتوجهه إلى ربه،واستغفاره إياه،ومغفرته له،وعهده على نفسه ألا يكون ظهيرا للمجرمين.

ومر يوم وأصبح في المدينة خائفا من انكشاف أمره،يترقب الافتضاح والأذى.ولفظ «يَتَرَقَّبُ» يصور هيئة القلق الذي يتلفت ويتوجس،ويتوقع الشر في كل لحظة ..وهي سمة الشخصية الانفعالية تبدو في هذا الموقف كذلك.والتعبير يجسم هيئة الخوف والقلق بهذا اللفظ،كما أنه يضخمها بكلمتي «في المدينة» فالمدينة عادة موطن الأمن والطمأنينة،فإذا كان خائفا يترقب في المدينة،فأعظم الخوف ما كان في مأمن ومستقر! وحالة موسى هذه تلهم أنه لم يكن في هذا الوقت من رجال القصر.وإلا فما أرخص أن يزهق أحد رجال القصر نفسا في عهود الظلم والطغيان! وما كان ليخشى شيئا فضلا على أن يصبح «خائِفًا يَتَرَقَّبُ» لو أنه كان ما يزال في مكانه من قلب فرعون وقصره.

وبينما هو في هذا القلق والتوجس إذا هو يطلع: «فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ» ! إنه صاحبه الإسرائيلي الذي طلب بالأمس نصرته على القبطي.إنه هو مشتبكا مع قبطي آخر وهو يستصرخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت