موسى لينصره ولعله يريد منه أن يقضي على عدوهما المشترك بوكزة أخرى! ولكن صورة قتيل الأمس كانت ما تزال تخايل لموسى.وإلى جوارها ندمه واستغفاره وعهده مع ربه.ثم هذا التوجس الذي يتوقع معه في كل لحظة أن يلحقه الأذى.فإذا هو ينفعل على هذا الذي يستصرخه،ويصفه بالغواية والضلال: «قالَ لَهُ مُوسى:إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ» ..غوي بعراكه هذا الذي لا ينتهي واشتباكاته التي لا تثمر إلا أن تثير الثائرة على بني إسرائيل.وهم عن الثورة الكاملة عاجزون،وعن الحركة المثمرة ضعفاء.فلا قيمة لمثل هذه الاشتباكات التي تضر ولا تفيد.
ولكن الذي حدث أن موسى - بعد ذلك - انفعلت نفسه بالغيظ من القبطي،فاندفع يريد أن يقضي عليه كما قضى على الأول بالأمس! ولهذا الاندفاع دلالته على تلك السمة الانفعالية التي أشرنا إليها،ولكن له دلالته من جانب آخر على مدى امتلاء نفس موسى - عليه السّلام - بالغيظ من الظلم،والنقمة على البغي،والضيق بالأذى الواقع على بني إسرائيل،والتوفز لرد العدوان الطاغي،الطويل الأمد،الذي يحتفر في القلب البشري مسارب من الغيظ وأخاديد.
«فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما،قالَ:يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ؟ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ،وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ» ..
وإنه ليقع حينما يشتد الظلم،ويفسد المجتمع،وتختل الموازين،ويخيم الظلام،أن تضيق النفس الطيبة بالظلم الذي يشكل الأوضاع والقوانين والعرف ويفسد الفطرة العامة حتى ليرى الناس الظلم فلا يثورون عليه،ويرون البغي فلا تجيش نفوسهم لدفعه بل يقع أن يصل فساد الفطرة إلى حد إنكار الناس على المظلوم أن يدفع عن نفسه ويقاوم ويسمون من يدفع عن نفسه أو غيره «جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ» كما قال القبطي لموسى.ذلك أنهم ألفوا رؤية الطغيان يبطش وهم لا يتحركون،حتى وهموا أن هذا هو الأصل،وأن هذا هو الفضل،وأن هذا هو الأدب،وأن هذا هو الخلق! وأن هذا هو الصلاح! فإذا رأوا مظلوما يدفع الظلم عن نفسه،فيحطم السياج الذي أقامه الطغيان لحماية الأوضاع التي يقوم عليها ..إذا رأوا مظلوما يهب لتحطيم ذلك السياج المصطنع الباطل ولولوا ودهشوا،وسمّوا هذا المظلوم الذي يدفع الظلم سفاكا أو جبارا،وصبوا عليه لومهم ونقمتهم.ولم ينل الظالم الطاغي من نقمتهم ولومهم إلا القليل! ولم يجدوا للمظلوم عذرا - حتى على فرض تهوره - من ضيقه بالظلم الثقيل! ولقد طال الظلم ببني إسرائيل،فضاقت به نفس موسى - عليه السّلام - حتى رأيناه يندفع في المرة الأولى ويندم،ثم يندفع في المرة الثانية لما ندم عليه حتى ليكاد يفعله،ويهم أن يبطش بالذي هو عدو له ولقومه.
لذلك لم يتخل اللّه عنه،بل رعاه،واستجاب له،فاللّه العليم بالنفوس يعلم أن للطاقة البشرية حدا في الاحتمال.وأن الظلم حين يشتد،وتغلق أبواب النصفة،يندفع المضطهد إلى الهجوم والاقتحام.فلم يهول