في وصف الفعلة التي فعلها موسى،كما تهول الجماعات البشرية التي مسخ الظلم فطرتها بإزاء مثل هذا العمل الفطري مهما تجاوز الحدود تحت الضغط والكظم والضيق.
وهذه هي العبرة التي تستشف من طريقة التعبير القرآنية عن الحادثتين وما تلاهما،فهو لا يبرر الفعلة ولكنه كذلك لا يضخمها.ولعل وصفها بأنها ظلم للنفس إنما نشأ من اندفاع موسى بدافع العصبية القومية.وهو المختار ليكون رسول اللّه،المصنوع على عين اللّه ..أو لعله كان لأنه استعجل الاشتباك بصنائع الطغيان واللّه يريد أن يكون الخلاص الشامل بالطريقة التي قضاها،حيث لا تجدي تلك الاشتباكات الفردية الجانبية في تغيير الأوضاع.
كما كف اللّه المسلمين في مكة عن الاشتباك حتى جاء الأوان.
ويبدو أن رائحة فاحت عن قتيل الأمس،وأن شبهات تطايرت حول موسى.لما عرف عن كراهيته من قبل لطغيان فرعون وملئه،إلى جانب ما يكون قد باح به صاحبه الإسرائيلي سرا بين قومه،ثم تفشى بعد ذلك خارج بني إسرائيل.
نرجح هذا لأن قتل موسى لأحد رجال فرعون في معركة بينه وبين إسرائيلي في مثل هذه الظروف يعد حدثا مريحا لنفوس بني إسرائيل،يشفى بعض غيظهم،فيشيع عادة وتتناقله الألسنة في همس وفرح وتشف،حتى يفشو ويتطاير هنا وهناك،وبخاصة إذا عرف عن موسى من قبل نفرته من البغي،وانتصاره للمظلومين.فلما أراد موسى أن يبطش بالقبطي الثاني واجهه هذا بالتهمة،لأنها عندئذ تجسمت له حقيقة،وهو يراه يهم أن يبطش به،وقال له تلك المقالة: «أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس؟» .
أما بقية عبارته: «إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين» ..فتلهم أن موسى كان قد اتخذ له في الحياة مسلكا يعرف به أنه رجل صالح مصلح،لا يحب البغي والتجبر.فهذا القبطي يذكره بهذا ويورّي به ويتهمه بأنه يخالف عما عرف عنه.يريد أن يكون جبارا لا مصلحا،يقتل الناس بدلا من إصلاح ذات البين،وتهدئة ثائرة الشر.وطريقة خطابه له وموضوع خطابه،كلاهما يلهم أن موسى لم يكن إذ ذاك محسوبا من رجال فرعون.وإلا ما جرؤ المصري على خطابه بهذه اللهجة،ولما كان هذا موضوع خطابه.
ولقد قال بعض المفسرين:إن هذا القول كان من الإسرائيلي لا من القبطي،لأنه لما قال له موسى: «إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ» ،ثم تقدم نحوه وهو غاضب ليبطش بالذي هو عدولهما،حسب الإسرائيلي أنه غاضب عليه هو،وأنه يتقدم ليبطش به هو،فقال مقالته،وأذاع بالسر الذي يعرفه وحده ..وإنما حملهم على هذا القول أن ذلك السر كان مجهولا عند المصريين.