فهرس الكتاب

الصفحة 3390 من 4997

ولكن الأقرب أن يكون القبطي هو الذي قال ما قال.وقد عللنا شيوع ذلك السر.وأنها قد تكون فراسة أو حدسا من المصري بمساعدة الظروف المحيطة بالموضوع [1] .

والظاهر أن موسى لم يقدم بعد إذ ذكره الرجل بفعلة الأمس،وأن الرجل أفلت لينهي إلى الملأ من قوم فرعون أن موسى هو صاحبها.فهنا فجوة في السياق بعد المشهد السابق.ثم إذا مشهد جديد.رجل يجيء إلى موسى من أقصى المدينة،يحذره ائتمار الملأ من قوم فرعون به،وينصح بالهرب من المدينة إبقاء على حياته: « وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى .قالَ:يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ.فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ» ..

إنها يد القدرة تسفر في اللحظة المطلوبة،لتتم مشيئتها! لقد عرف الملأ من قوم فرعون،وهم رجال حاشيته وحكومته والمقربون إليه أنها فعلة موسى.وما من شك أنهم أحسوا فيها بشبح الخطر.فهي فعلة طابعها الثورة والتمرد،والانتصار لبني إسرائيل.وإذن فهي ظاهرة خطيرة تستحق التآمر.ولو كانت جريمة قتل عادية ما استحقت أن يشتغل بها فرعون والملأ والكبراء.

فانتدبت يد القدرة واحدا من الملأ.الأرجح أنه الرجل المؤمن من آل فرعون الذي يكتم إيمانه،والذي جاء ذكره في سورة (غافر) [2] انتدبته ليسعى إلى موسى «مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ» في جد واهتمام ومسارعة،ليبلغه قبل أن يبلغه رجال الملك: «إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ،فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ» .. «فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ.قالَ:رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ..

ومرة أخرى نلمح السمة الواضحة في الشخصية الانفعالية.التوفز والتلفت.ونلمح معها،التوجه المباشر بالطلب إلى اللّه،والتطلع إلى حمايته ورعايته،والالتجاء إلى حماه في المخافة،وترقب الأمن عنده والنجاة: «رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ..ثم يتبعه السياق خارجا من المدينة،خائفا يترقب،وحيدا فريدا،غير مزود إلا بالاعتماد على مولاه والتوجه إليه طالبا عونه وهداه: «وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ:عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ» ..

ونلمح شخصية موسى - عليه السّلام - فريدا وحيدا مطاردا في الطرق الصحراوية في اتجاه مدين في جنوبي الشام وشمالي الحجاز.مسافات شاسعة،وأبعاد مترامية،لا زاد ولا استعداد،فقد خرج من المدينة خائفا يترقب،وخرج منزعجا بنذارة الرجل الناصح،لم يتلبث،ولم يتزود ولم يتخذ دليلا.ونلمح إلى جانب هذا نفسه متوجهة إلى ربه،مستسلمة له،متطلعة إلى هداه: «عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ» ..

(1) - جريت على الرأي الأول في كتاب التصوير الفني في القرآن ولكني إلى هذا الرأي الأخير أميل الآن. (السيد رحمه الله )

قلت:وهو الصواب

(2) - {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) } [غافر:28]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت