ثم نسمع في المشهد صوت الأنوثة المستقيمة السليمة: «قالَتْ إِحْداهُما:يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ.إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ» .إنها وأختها تعانيان من رعي الغنم،ومن مزاحمة الرجال على الماء،ومن الاحتكاك الذي لا بد منه للمرأة التي تزاول أعمال الرجال.وهي تتأذى وأختها من هذا كله وتريد أن تكون امرأة تأوي إلى بيت امرأة عفيفة مستورة لا تحتك بالرجال الغرباء في المرعى والمسقى.والمرأة العفيفة الروح،النظيفة القلب،السليمة الفطرة،لا تستريح لمزاحمة الرجال،ولا للتبذل الناشئ من هذه المزاحمة.
وها هو ذا شاب غريب طريد وهو في الوقت ذاته قوى أمين.رأت من قوته ما يهابه الرعاء فيفسحون له الطريق ويسقي لهما.وهو غريب.والغريب ضعيف مهما اشتد.ورأت من أمانته ما يجعله عف اللسان والنظر حين توجهت لدعوته.فهي تشير على أبيها باستئجاره ليكفيها وأختها مؤنة العمل والاحتكاك والتبذل.وهو قوي على العمل،أمين على المال.فالأمين على العرض هكذا أمين على ما سواه.وهي لا تتلعثم في هذه الإشارة ولا تضطرب،ولا تخشى سوء الظن والتهمة.فهي بريئة النفس،نظيفة الحس ومن ثم لا تخشى شيئا،ولا تتمم ولا تجمجم وهي تعرض اقتراحها على أبيها.
ولا حاجة لكل ما رواه المفسرون من دلائل قوة موسى.كرفع الحجر الذي يغطي البئر وكان لا يرفعه - فيما قالوا - إلا عشرون أو أربعون أو أكثر أو أقل.فالبئر لم يكن مغطى،إنما كان الرعاء يسقون فنحاهم وسقى للمرأتين،أو سقى لهما مع الرعاء [1] .
ولا حاجة كذلك لما رووه عن دلائل أمانته من قوله للفتاة:امشي خلفي ودليني على الطريق خوف أن يراها.أو أنه قال لها هذا بعد أن مشى خلفها فرفع الهواء ثوبها عن كعبها ..فهذا كله تكلف لا داعي له،ودفع لريبة لا وجود لها.وموسى - عليه السّلام - عفيف النظر نظيف الحس،وهي كذلك،والعفة والأمانة لا تحتاجان لكل هذا التكلف عند لقاء رجل وامرأة.فالعفة تنضح في التصرف العادي البسيط بلا تكلف ولا اصطناع! واستجاب الشيخ لاقتراح ابنته.ولعله أحس من نفس الفتاة ونفس موسى ثقة متبادلة،وميلا فطريا سليما،صالحا لبناء أسرة.والقوة والأمانة حين تجتمعان في رجل لا شك تهفو إليه طبيعة الفتاة السليمة التي لم تفسد ولم تلوث ولم تنحرف عن فطرة اللّه.فجمع الرجل بين الغايتين وهو يعرض على موسى أن يزوجه إحدى ابنتيه في مقابل أن يخدمه ويرعى ماشيته ثماني سنين.فإن زادها إلى عشر فهو تفضل منه لا يلزم به.
«قالَ:إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ،عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ.فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ.وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ.سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ» .وهكذا في بساطة وصراحة عرض الرجل إحدى ابنتيه من غير تحديد - ولعله كان يشعر كما أسلفنا - أنها محددة،وهي التي وقع
(1) - قلت:ومما يدلُّ على قوة النبي موسى عليه السلام الجسدية ضربه للقبطي بوكزة واحدة فقضى عليه .