فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 4997

«وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ» [1] ..وفيها شمول لما سبق من تلاوة الآيات وهي الكتاب وبيان للمادة الأصيلة فيه،وهي الحكمة،والحكمة ثمرة التعليم بهذا الكتاب وهي ملكة يتأتى معها وضع الأمور في مواضعها الصحيحة،ووزن الأمور بموازينها الصحيحة،وإدراك غايات الأوامر والتوجيهات ..وكذلك تحققت هذه الثمرة ناضجة لمن رباهم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وزكاهم بآيات اللّه.

«وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» ..وكان ذلك حقا في واقع الجماعة المسلمة،فقد التقطها الإسلام من البيئة العربية لا تعلم إلا أشياء قليلة متناثرة،تصلح لحياة القبيلة في الصحراء،أو في تلك المدن الصغيرة المنعزلة في باطن الصحراء.فجعل منها أمة تقود البشرية قيادة حكيمة راشدة،خبيرة بصيرة عالمة ..وكان هذا القرآن - مع توجيهات الرسول المستمدة كذلك من القرآن - هو مادة التوجيه والتعليم.وكان مسجد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الذي يتلى فيه القرآن والتوجيهات المستمدة من القرآن - هو الجامعة الكبرى التي تخرج فيها ذلك الجيل الذي قاد البشرية تلك القيادة الحكيمة الراشدة:القيادة التي لم تعرف لها البشرية نظيرا من قبل ولا من بعد في تاريخ البشرية الطويل [2] .

وما يزال هذا المنهج الذي خرّج ذلك الجيل وتلك القيادة على استعداد لتخريج أجيال وقيادات على مدار الزمان،لو رجعت الأمة المسلمة إلى هذا المعين،ولو آمنت حقا بهذا القرآن،ولو جعلته منهجا للحياة لا كلمات تغنى باللسان لتطريب الآذان!

وفي آخر هذا الدرس يتفضل اللّه على المسلمين تفضلا آخر،وهو يدعوهم إلى شكره ويحذرهم من كفره.يتفضل عليهم فيضمن لهم أن يذكرهم إذا هم ذكروه. «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ،وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ» ..يا للتفضل الجليل الودود! اللّه.جل جلاله.يجعل ذكره لهؤلاء العبيد مكافئا لذكرهم له في عالمهم الصغير ..

إن العبيد حين يذكرون ربهم يذكرونه في هذه الأرض الصغيرة ..وهم أصغر من أرضهم الصغيرة! واللّه حين يذكرهم يذكرهم في هذا الكون الكبير ..وهو اللّه ..العلي الكبير ..أي تفضل! وأي كرم! وأي فيض في السماحة والجود! «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» .

إنه الفضل الذي لا يفيضه إلا اللّه الذي لا خازن لخزائنه،ولا حاسب لعطاياه.الفضل الفائض من ذاته تعالى بلا سبب ولا موجب إلا أنه هكذا هو سبحانه فياض العطاء.

(1) - كما أنعمنا عليكم باستقبال الكعبة أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم الآيات المبينة للحق من الباطل، ويطهركم من دنس الشرك وسوء الأخلاق، ويعلمكم الكتاب والسنة وأحكام الشريعة، ويعلمكم من أخبار الأنبياء، وقصص الأمم السابقة ما كنتم تجهلونه.التفسير الميسر [1 /165]

(2) - يراجع في خصائص هذه القيادة الراشدة كتاب: «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» للأستاذ أبو الحسن الندوي ص 82 - ص 96. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت