حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس،ففرح المسلمون بذلك،فأنزل الله: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ ...) إلى قوله: (وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ) [1] ..
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ} ، قَالَ:غُلِبَتْ وَغَلَبَتْ ، قَالَ:كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ فَارِسُ عَلَى الرُّومِ ، لأَنَّهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحِبُّونَ أَنْ تَظْهَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ ، لأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ ، فَذَكَرُوهُ لأَبِي بَكْرٍ ، فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:أَمَا إِنَّهُمْ سَيَغْلِبُونَ قَالَ:فَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ لَهُمْ ، فَقَالُوا:اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا ، فَإِنْ ظَهَرْنَا ، كَانَ لَنَا كَذَا وَكَذَا ، وَإِنْ ظَهَرْتُمْ ، كَانَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا ، فَجَعَلَ أَجَلًا خَمْسَ سِنِينَ ، فَلَمْ يَظْهَرُوا ، فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ:أَلاَ جَعَلْتَهَا إِلَى دُونَ ، قَالَ:أُرَاهُ قَالَ:الْعَشْرِ ؟ قَالَ:قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:الْبِضْعُ:مَا دُونَ الْعَشْرِ ، ثُمَّ ظَهَرَتِ الرُّومُ بَعْدُ ، قَالَ:فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ} قَالَ:يَفْرَحُونَ {بِنَصْرِ اللَّهِ} . [2]
وقد وردت في هذا الحادث روايات كثيرة اخترنا منها رواية الإمام ابن جرير.وقبل أن نتجاوز الحادث إلى ما وراءه في السورة من التوجيهات نحب أن نقف أمام بعض إيحاءاته القوية.
وأول هذه الإيحاءات ذلك الترابط بين الشرك والكفر في كل مكان وزمان أمام دعوة التوحيد والإيمان.ومع أن الدول قديما لم تكن شديدة الاتصال،والأمم لم تكن وثيقة الارتباط كما هو الشأن في عصرنا الحاضر.مع هذا فإن المشركين في مكة كانوا يحسون أن انتصار المشركين في أي مكان على أهل الكتاب هو انتصار لهم وكان المسلمون كذلك يحسون أن هناك ما يربطهم بأهل الكتاب،وكان يسوءهم أن ينتصر المشركون في أي مكان وكانوا يدركون أن دعوتهم وأن قضيتهم ليست في عزلة عما يجري في أنحاء العالم من حولهم،ويؤثر في قضية الكفر والإيمان.
وهذه الحقيقة البارزة هي التي يغفل عنها الكثيرون من أهل زماننا ولا ينتبهون إليها كما انتبه المسلمون والمشركون في عصر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - .منذ حوالي أربعة عشر قرنا.ومن ثم ينحصرون داخل حدود جغرافية أو جنسية ولا يدركون أن القضية في حقيقتها هي قضية الكفر والإيمان وأن المعركة في صميمها هي المعركة بين حزب اللّه وحزب الشيطان.
وما أحوج المسلمين اليوم في جميع بقاع الأرض أن يدركوا طبيعة المعركة،وحقيقة القضية فلا تلهيهم عنها تلك الأعلام الزائفة التي تتستر بها أحزاب الشرك والكفر،فإنهم لا يحاربون المسلمين إلا على العقيدة،مهما تنوعت العلل والأسباب.
والإيحاء الآخر هو تلك الثقة المطلقة في وعد اللّه،كما تبدو في قولة أبي بكر - رضي اللّه عنه - في غير تلعثم ولا تردد،والمشركون يعجبونه من قول صاحبه فما يزيد على أن يقول:صدق.ويراهنونه
(1) -تفسير الطبري-مؤسسة الرسالة [20 /72] حسن
(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) [1 /716] (2495) صحيح - زيادة مني