فهرس الكتاب

الصفحة 3468 من 4997

فيراهن وهو واثق.ثم يتحقق وعد اللّه،في الأجل الذي حدده: «فِي بِضْعِ سِنِينَ» ..وهذه الثقة المطلقة على هذا النحو الرائع هي التي ملأت قلوب المسلمين قوة ويقينا وثباتا في وجه العقبات والآلام والمحن،حتى تمت كلمة اللّه وحق وعد اللّه.وهي عدة كل ذي عقيدة في الجهاد الشاق الطويل.

والإيحاء الثالث هو في تلك الجملة المعترضة في مساق الخبر،من قول اللّه سبحانه: «لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» ..والمسارعة برد الأمر كله للّه.في هذا الحادث وفي سواه.وتقرير هذه الحقيقة الكلية،لتكون ميزان الموقف وميزان كل موقف.فالنصر والهزيمة،وظهور الدول ودثورها،وضعفها وقوتها.شأنه شأن سائر ما يقع في هذا الكون من أحداث ومن أحوال،مرده كله إلى اللّه،يصرفه كيف شاء،وفق حكمته ووفق مراده.وما الأحداث والأحوال إلا آثار لهذه الإرادة المطلقة،التي ليس لأحد عليها من سلطان ولا يدري أحد ما وراءها من الحكمة ولا يعرف مصادرها ومواردها إلا اللّه.وإذن فالتسليم والاستسلام هو أقصى ما يملكه البشر أمام الأحوال والأحداث التي يجريها اللّه وفق قدر مرسوم.

«الم.غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ.وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ» ..

«لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ» ..

«وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ» ..

ولقد صدق وعد اللّه،وفرح المؤمنون بنصر اللّه.

« يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ،وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ» ..

فالأمر له من قبل ومن بعد.وهو ينصر من يشاء.لا مقيد لمشيئته سبحانه.والمشيئة التي تريد النتيجة هي ذاتها التي تيسر الأسباب.فلا تعارض بين تعليق النصر بالمشيئة ووجود الأسباب.والنواميس التي تصرف هذا الوجود كله صادرة عن المشيئة الطليقة.وقد أرادت هذه المشيئة أن تكون هناك سنن لا تتخلف وأن تكون هناك نظم لها استقرار وثبات.والنصر والهزيمة أحوال تنشأ عن مؤثرات،وفق تلك السنن التي اقتضتها تلك المشيئة الطليقة.

والعقيدة الإسلامية واضحة ومنطقية في هذا المجال.فهي ترد الأمر كله إلى اللّه.ولكنها لا تعفي البشر من الأخذ بالأسباب الطبيعية التي من شأنها أن تظهر النتائج إلى عالم الشهادة والواقع.أما أن تتحقق تلك النتائج فعلا أو لا تتحقق فليس داخلا في التكليف،لأن مرد ذلك في النهاية إلى تدبير اللّه.عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ،عَنْ أَبِيهِ،قَالَ:قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -:أُرْسِلُ نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ ؟ قَالَ:اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ [1] ..

فالتوكل في العقيدة الإسلامية مقيد بالأخذ بالأسباب،ورد الأمر بعد ذلك إلى اللّه.

(1) -صحيح ابن حبان [2 /510] ( 731) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت