«يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ،وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ» ..فهذا النصر محفوف بظلال القدرة القادرة التي تنشئه وتظهره في عالم الواقع وبظلال الرحمة التي تحقق به مصالح الناس وتجعل منه رحمة للمنصورين والمغلوبين سواء. «وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ» وصلاح الأرض رحمة للمنتصرين والمهزومين في نهاية المطاف.
«وَعْدَ اللَّهِ.لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ.وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ» ..ذلك النصر وعد من اللّه،فلا بد من تحققه في واقع الحياة: «لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ» فوعده صادر عن إرادته الطليقة،وعن حكمته العميقة.وهو قادر على تحقيقه،لا راد لمشيئته،ولا معقب لحكمه،ولا يكون في الكون إلا ما يشاء.
وتحقيق هذا الوعد طرف من الناموس الأكبر الذي لا يتغير «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» ولو بدا في الظاهر أنهم علماء،وأنهم يعرفون الكثير.ذلك أن علمهم سطحي،يتعلق بظواهر الحياة،ولا يتعمق سننها الثابتة،وقوانينها الأصيلة ولا يدرك نواميسها الكبرى،وارتباطاتها الوثيقة: «يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا» ..ثم لا يتجاوزون هذا الظاهر ولا يرون ببصيرتهم ما وراءه.
وظاهر الحياة الدنيا محدود صغير،مهما بدا للناس واسعا شاملا،يستغرق جهودهم بعضه،ولا يستقصونه في حياتهم المحدودة.والحياة كلها طرف صغير من هذا الوجود الهائل،تحكمه نواميس وسنن مستكنة في كيان هذا الوجود وتركيبه.
والذي لا يتصل قلبه بضمير ذلك الوجود ولا يتصل حسه بالنواميس والسنن التي تصرفه،يظل ينظر وكأنه لا يرى ويبصر الشكل الظاهر والحركة الدائرة،ولكنه لا يدرك حكمته،ولا يعيش بها ومعها.
وأكثر الناس كذلك،لأن الإيمان الحق هو وحده الذي يصل ظاهر الحياة بأسرار الوجود وهو الذي يمنح العلم روحه المدرك لأسرار الوجود.والمؤمنون هذا الإيمان قلة في مجموع الناس.ومن ثم تظل الأكثرية محجوبة عن المعرفة الحقيقية.
«وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ» ..فالآخرة حلقة في سلسلة النشأة،وصفحة من صفحات الوجود الكثيرة.والذين لا يدركون حكمة النشأة،ولا يدركون ناموس الوجود يغفلون عن الآخرة،ولا يقدرونها قدرها،ولا يحسبون حسابها،ولا يعرفون أنها نقطة في خط سير الوجود،لا تتخلف مطلقا ولا تحيد.والغفلة عن الآخرة تجعل كل مقاييس الغافلين تختل وتؤرجح في أكفهم ميزان القيم فلا يملكون تصور الحياة وأحداثها وقيمها تصورا صحيحا ويظل علمهم بها ظاهرا سطحيا ناقصا،لأن حساب الآخرة في ضمير الإنسان يغير نظرته لكل ما يقع في هذه الأرض.فحياته على الأرض إن هي إلا مرحلة قصيرة من رحلته الطويلة في الكون.ونصيبه في هذه الأرض إن هو إلا قدر زهيد من نصيبه الضخم في الوجود.والأحداث والأحوال التي تتم في هذه الأرض إن هي إلا فصل صغير من الرواية الكبيرة.ولا ينبغي أن يبني الإنسان حكمه على مرحلة قصيرة من الرحلة الطويلة،وقدر زهيد من