فهرس الكتاب
القدر ..نقلة تثير التأمل في صنع اللّه وتستجيش الضمير للحمد والتسبيح للّه وتحرك القلب لتمجيد الصانع المتفضل الكريم.
ومن مجال الخلقة الأولى لنوع البشر ينتقل إلى مجال الحياة المشتركة بين جنسي البشر: «وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها،وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً.إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» ..
والناس يعرفون مشاعرهم تجاه الجنس الآخر،وتشغل أعصابهم ومشاعرهم تلك الصلة بين الجنسين وتدفع خطاهم وتحرك نشاطهم تلك المشاعر المختلفة الأنماط والاتجاهات بين الرجل والمرأة.ولكنهم قلما يتذكرون يد اللّه التي خلقت لهم من أنفسهم أزواجا،وأودعت نفوسهم هذه العواطف والمشاعر،وجعلت في تلك الصلة سكنا للنفس والعصب،وراحة للجسم والقلب،واستقرارا للحياة والمعاش،وأنسا للأرواح والضمائر،واطمئنانا للرجل والمرأة على السواء.
والتعبير القرآني اللطيف الرفيق يصور هذه العلاقة تصويرا موحيا،وكأنما يلتقط الصورة من أعماق القلب وأغوار الحس: «لِتَسْكُنُوا إِلَيْها» .. «وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» ..
«إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» ..فيدركون حكمة الخالق في خلق كل من الجنسين على نحو يجعله موافقا للآخر.ملبيا لحاجته الفطرية:نفسية وعقلية وجسدية.بحيث يجد عنده الراحة والطمأنينة والاستقرار ويجدان في اجتماعهما السكن والاكتفاء،والمودة والرحمة،لأن تركيبهما النفسي والعصبي والعضوي ملحوظ فيه تلبية رغائب كل منهما في الآخر،وائتلافهما وامتزاجهما في النهاية لإنشاء حياة جديدة تتمثل في جيل جديد ..
«وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ،وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ.إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ» ..
وآية خلق السماوات والأرض كثيرا ما يشار إليها في القرآن،وكثيرا ما نمر عليها سراعا دون أن نتوقف أمامها طويلا ..ولكنها جديرة بطول الوقوف والتدبر العميق.
إن خلق السماوات والأرض معناه إنشاء هذا الخلق الهائل الضخم العظيم الدقيق الذي لا نعرف عنه إلا أقل من القليل.هذا الحشد الذي لا يحصى من الأفلاك والمدارات والنجوم والكواكب والسدم والمجرات.تلك التي لا تزيد أرضنا الصغيرة عن أن تكون ذرة تائهة بينها تكاد أن تكون لا وزن لها ولا ظل! ومع الضخامة الهائلة ذلك التناسق العجيب بين الأفلاك والمدارات والدورات والحركات وما بينها من مسافات وأبعاد تحفظها من التصادم والخلل والتخلف والاضطراب وتجعل كل شيء في أمرها بمقدار.
ذلك كله من ناحية الحجم العام والنظام،فأما أسرار هذه الخلائق الهائلة وطبائعها وما يستكن فيها وما يظهر عليها والنواميس الكبرى التي تحفظها وتحكمها وتصرفها ..فهذا كله أعظم من أن يلم به