فهرس الكتاب

الصفحة 3525 من 4997

الكوكب.ويتصل من وراء أشكال هذا العالم الفانية بالجمال الباقي المنبثق من جمال الصنعة الإلهية الأصيلة.ولا يدرك القلب شيئا من هذا النعيم في رحلته الأرضية إلا حين يستيقظ من همود العادة،ومن ملالة الألفة.وإلا حين يتسمع لإيقاعات الكون من حوله،ويتطلع إلى إيحاءاته.وإلا حين يبصر بنور اللّه فتتكشف له الأشياء عن جواهرها الجميلة كما خرجت من يد اللّه المبدعة.وإلا حين يتذكر اللّه كلما وقعت عينه أو حسه على شيء من بدائعه فيحس بالصلة بين المبدع وما أبدع فيزيد شعوره بجمال ما يرى وما يحس،لأنه يرى حينئذ من ورائه جمال اللّه وجلاله.

إن هذا الوجود جميل.وإن جماله لا ينفد.وإن الإنسان ليرتقي في إدراك هذا الجمال والاستمتاع به إلى غير ما حدود.قدر ما يريد.وفق ما يريده له مبدع الوجود.

وإن عنصر الجمال لمقصود قصدا في هذا الوجود.فإتقان الصنعة يجعل كمال الوظيفة في كل شيء،يصل إلى حد الجمال.وكمال التكوين يتجلى في صورة جميلة في كل عضو،وفي كل خلق ..انظر ..هذه النحلة.هذه الزهرة.هذه النجمة.هذا الليل.هذا الصبح.هذه الظلال.هذه السحب.هذه الموسيقى السارية في الوجود كله.هذا التناسق الذي لا عوج فيه ولا فطور! إنها رحلة ممتعة في هذا الوجود الجميل الصنع البديع التكوين يلفتنا القرآن إليها لنتملاها،ونستمتع بها وهو يقول: «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» ..فيوقظ القلب لتتبع مواضع الحسن والجمال في هذا الوجود الكبير.

«الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ» .. «وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ» ..ومن إحسانه في الخلق بدء خلق هذا الإنسان من طين.فالتعبير قابل لأن يفهم منه أن الطين كان بداءة،وكان في المرحلة الأولى.ولم يحدد عدد الأطوار التي تلت مرحلة الطين ولا مداها ولا زمنها،فالباب فيها مفتوح لأي تحقيق صحيح.وبخاصة حين يضم هذا النص إلى النص الآخر الذي في سورة «المؤمنون» ..

«خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ» ..فيمكن أن يفهم منه أنه إشارة إلى تسلسل في مراحل النشأة الإنسانية يرجع أصلا إلى مرحلة الطين.وقد يكون ذلك إشارة إلى بدء نشأة الخلية الحية الأولى في هذه الأرض وأنها نشأت من الطين.وأن الطين كان المرحلة السابقة لنفخ الحياة فيها بأمر اللّه.وهذا هو السر الذي لم يصل إليه أحد.لا ما هو.ولا كيف كان.ومن الخلية الحية نشأ الإنسان.ولا يذكر القرآن كيف تم هذا،ولا كم استغرق من الزمن ومن الأطوار.

فالأمر في تحقيق هذا التسلسل متروك لأي بحث صحيح وليس في هذا البحث ما يصادم النص القرآني القاطع بأن نشأة الإنسان الأولى كانت من الطين.وهذا هو الحد المأمون بين الاعتماد على الحقيقة القرآنية القاطعة وقبول ما يسفر عنه أي تحقيق صحيح.

غير أنه يحسن - بهذه المناسبة - تقرير أن نظرية النشوء والارتقاء لدارون القائلة:بأن الأنواع تسلسلت من الخلية الواحدة إلى الإنسان في أطوار متوالية وأن هناك حلقات نشوء وارتقاء متصلة تجعل أصل الإنسان المباشر حيوانا فوق القردة العليا ودون الإنسان ..أن هذه النظرية غير صحيحة في هذه النقطة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت