وأن كشف عوامل الوراثة - التي لم يكن دارون قد عرفها - تجعل هذا التطور من نوع إلى نوع ضربا من المستحيل.فهناك عوامل وراثة كامنة في خلية كل نوع تحتفظ له بخصائص نوعه وتحتم أن يظل في دائرة النوع الذي نشأ منه،ولا يخرج قط عن نوعه ولا يتطور إلى نوع جديد.فالقط أصله قط وسيظل قطا على توالي القرون.
والكلب كذلك.والثور.والحصان.والقرد.والإنسان.وكل ما يمكن أن يقع - حسب نظريات الوراثة - هو الارتقاء في حدود النوع نفسه.دون الانتقال إلى نوع آخر.وهذا يبطل القسم الرئيسي في نظرية دارون التي فهم ناس من المخدوعين باسم العلم أنها حقيقة غير قابلة للنقض في يوم من الأيام [1] !
ثم نعود إلى ظلال القرآن! «ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ» ..من ماء النطفة الذي هو المرحلة الأولى في تطور الجنين:من النطفة إلى العلقة إلى المضغة إلى العظام إلى كمال التكوين الجنيني،في هذه السلالة التي تبدأ بالماء المهين.وإنها لرحلة هائلة حين ينظر إلى طبيعة التطورات التي تمر بها تلك النقطة الضائعة من ذلك الماء المهين.حتى تصل إلى الإنسان المعقد البديع التكوين! وإنها لمسافة شاسعة ضخمة بين الطور الأول والطور الأخير.
وذلك ما يعبر عنه القرآن في آية واحدة تصور هذه الرحلة المديدة: «ثُمَّ سَوَّاهُ،وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ،وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ» ..يا اللّه.ما أضخم الرحلة! وما أبعد الشقة! وما أعظم المعجزة التي يمر عليها الناس غافلين! أين تلك النقطة الصغيرة المهينة من ذلك الإنسان الذي تصير إليه في النهاية،لولا أنها يد اللّه المبدعة التي تصنع هذه الخارقة.والتي تهدي تلك النقطة الصغيرة الضعيفة إلى اتخاذ طريقها في النمو والتطور والتحول من هيئتها الساذجة إلى ذلك الخلق المعقد المركب العجيب؟
هذا الانقسام في تلك الخلية الواحدة والتكاثر.ثم التنويع في أصناف الخلايا المتعددة ذات الطبيعة المختلفة،والوظيفة المختلفة التي تتكاثر هي بدورها لتقوم كل مجموعة منها بتكوين عضو خاص ذي وظيفة خاصة.
وهذا العضو الذي تكونه خلايا معينة من نوع خاص،يحتوي بدوره على أجزاء ذات وظائف خاصة وطبيعة خاصة،تكونها خلايا أكثر تخصصا في داخل العضو الواحد ..هذا الانقسام والتكاثر مع هذا التنويع كيف يتم في الخلية الأولى وهي خلية واحدة؟ وأين كانت تكمن تلك الخصائص كلها التي تظهر فيما بعد في كل مجموعة من الخلايا المتخصصة الناشئة من تلك الخلية الأولى؟ ثم أين كانت تكمن الخصائص المميزة لجنين الإنسان من سائر الأجنة؟ ثم المميزة لكل جنين إنساني من سائر الأجنة الإنسانية؟ ثم الحافظة لكل ما يظهر بعد ذلك في الجنين من استعدادات خاصة،ووظائف معينة،وسمات
(1) - يراجع كتاب العلم يدعو إلى الإيمان.وص 2573 جزء 19 من الظلال. ( السيد رحمه الله )