فهرس الكتاب

الصفحة 3554 من 4997

البلاء،واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم،حتى ظن المؤمنون كل ظن،ونجم النفاق من بعض المنافقين،حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف:كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر،وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط! وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث:يا رسول اللّه،إن بيوتنا عورة من العدو - وذلك عن ملأ من رجال قومه - فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى دارنا،فإنها خارج من المدينة.فأقام رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأقام عليه المشركون بضعا وعشرين ليلة،قريبا من شهر.لم تكن بينه وبينهم حرب إلا الرميا بالنبل والحصار.

فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث ابن عوف - وهما قائدا غطفان - فأعطاهما ثلث ثمار المدينة،على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه [1] ،فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتابة ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح،إلا المراوضة في ذلك.فلما أراد رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل،بعث إلى سعد بن معاذ (سيد الأوس) وسعد بن عبادة (سيد الخزرج) فذكر ذلك لهما.واستشارهما فيه،فقالا له:يا رسول اللّه،أمرا تحبه فنصنعه؟

أم شيئا أمرك اللّه به لا بد لنا من العمل به؟ أم شيئا تصنعه لنا؟ قال: «بل شيء أصنعه لكم،واللّه ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب،فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما» .فقال سعد بن معاذ:يا رسول اللّه قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك باللّه وعبادة الأوثان،لا نعبد اللّه ولا نعرفه،وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا.أفحين أكرمنا اللّه بالإسلام،وهدانا له،وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ واللّه ما لنا بهذا من حاجة،واللّه لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم.قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -:فأنت وذاك.فتناول سعد بن معاذ الصحيفة،فمحا ما فيها من الكتاب،ثم قال:ليجهدوا علينا.وأقام رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فيما وصف اللّه من الخوف والشدة،لتظاهر عدوهم عليهم،وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم [2] .

قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ:حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ إِلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَالْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ ، وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ ، فَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا وَمَنْ مَعَهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابِهِ ؛ فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الصُّلْحُ ، حَتَّى كَتَبُوا الْكِتَابَ ، وَلَمْ تَقَعِ الشَّهَادَةُ وَلَا عَزِيمَةُ الصُّلْحِ إِلَّا الْمُرَاوَضَةُ ، وَفِي ذَلِكَ فَفَعَلَا . فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَفْعَلَ ، بَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ

(1) - وكان اليهود قد وعدوهم ثمر خيبر سنة إن نصروهم (عن إمتاع الأسماع للمقريزي) ( السيد رحمه الله )

(2) - قالت أم سلمة-رضي اللّه عنها-شهدت معه مشاهد فيها قتال وخوف:المريسيع ،وخيبر ،وكنا بالحديبية ،وفي الفتح ،وحنين.لم يكن من ذلك أتعب لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ولا أخوف عندنا من الخندق.وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة ،وأن قريظة لا نأمنها على الذراري ،فالمدينة تحرس حتى الصباح ،نسمع فيها تكبير المسلمين حتى يصبحوا خوفا.حتى ردهم اللّه بغيظهم لم ينالوا خيرا. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت