فهرس الكتاب

الصفحة 3564 من 4997

ويبدأ هذا النص بتقرير علم اللّه المؤكد بالمعوقين الذين يسعون بالتخذيل في صفوف الجماعة المسلمة.الذين يدعون إخوانهم إلى القعود «وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا» ولا يشهدون الجهاد إلا لماما.فهم مكشوفون لعلم اللّه،ومكرهم مكشوف.

ثم تأخذ الريشة المعجزة في رسم سمات هذا النموذج: «أشحة عليكم» ففي نفوسهم كزازة على المسلمين.كزازة بالجهد وكزازة بالمال،وكزازة في العواطف والمشاعر على السواء.

« فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ» ..

وهي صورة شاخصة،واضحة الملامح،متحركة الجوارح،وهي في الوقت ذاته مضحكة،تثير السخرية من هذا الصنف الجبان،الذي تنطق أوصاله وجوارحه في لحظة الخوف بالجبن المرتعش الخوار! وأشد إثارة للسخرية صورتهم بعد أن يذهب الخوف ويجيء الأمن: «فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ» ..فخرجوا من الجحور،وارتفعت أصواتهم بعد الارتعاش،وانتفخت أوداجهم بالعظمة،ونفشوا بعد الانزواء،وادعوا في غير حياء،ما شاء لهم الادعاء،من البلاء في القتال والفضل في الأعمال،والشجاعة والاستبسال ..ثم هم: «أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ» ..

فلا يبذلون للخير شيئا من طاقتهم وجهدهم وأموالهم وأنفسهم مع كل ذلك الادعاء العريض وكل ذلك التبجح وطول اللسان! وهذا النموذج من الناس لا ينقطع في جيل ولا في قبيل.فهو موجود دائما.وهو شجاع فصيح بارز حيثما كان هناك أمن ورخاء.وهو جبان صامت منزو حيثما كان هناك شدة وخوف.وهو شحيح بخيل على الخير وأهل الخير،لا ينالهم منهم إلا سلاطة اللسان! «أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ» ..فهذه هي العلة الأولى.العلة أن قلوبهم لم تخالطها بشاشة الإيمان،ولم تهتد بنوره،ولم تسلك منهجه. «فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ» ..ولم ينجحوا لأن عنصر النجاح الأصيل ليس هناك. «وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا» ..وليس هنالك عسير على اللّه،وكان أمر اللّه مفعولا ..فأما يوم الأحزاب فيمضي النص في تصويرهم صورة مضحكة زرية: «يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا» ..فهم ما يزالون يرتعشون،ويتخاذلون،ويخذّلون! ويأبون أن يصدقوا أن الأحزاب قد ذهبت،وأنه قد ذهب الخوف،وجاء الأمان! «وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ» ..

يا للسخرية! ويا للتصوير الزري! ويا للصورة المضحكة! وإن يأت الأحزاب يود هؤلاء الجبناء لو أنهم لم يكونوا من أهل المدينة يوما من الأيام.ويتمنون أن لو كانوا من أعراب البادية،لا يشاركون أهل المدينة في حياة ولا في مصير.ولا يعلمون - حتى - ما يجري عند أهلها.إنما هم يجهلونه،ويسألون عنه سؤال الغريب عن الغريب! مبالغة في البعد والانفصال،والنجاة من الأهوال! يتمنون هذه الأمنيات المضحكة،مع أنهم قاعدون،بعيدون عن المعركة،لا يتعرضون لها مباشرة إنما هو الخوف من بعيد! والفزع والهلع من بعيد! «وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا» ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت