الدرس الخامس:21 الاقتداء الحسن بالرسول عليه السلام
وبهذا الخط ينتهي رسم الصورة.صورة ذلك النموذج الذي كان عائشا في الجماعة الإسلامية الناشئة في المدينة والذي ما يزال يتكرر في كل جيل وكل قبيل.بنفس الملامح،وذات السمات ..ينتهي رسم الصورة وقد تركت في النفوس الاحتقار لهذا النموذج،والسخرية منه،والابتعاد عنه،وهوانه على اللّه وعلى الناس.ذلك كان حال المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في الصفوف،وتلك كانت صورتهم الرديئة.ولكن الهول والكرب والشدة والضيق لم تحول الناس جميعا إلى هذه الصورة الرديئة ..كانت هنالك صورة وضيئة في وسط الظلام،مطمئنة في وسط الزلزال،واثقة باللّه،راضية بقضاء اللّه،مستيقنة من نصر اللّه،بعد كل ما كان من خوف وبلبلة واضطراب.
ويبدأ السياق هذه الصورة الوضيئة برسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - .
« لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ،وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا» ..
وقد كان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على الرغم من الهول المرعب والضيق المجهد،مثابة الأمان للمسلمين،ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان.وإن دراسة موقفه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحادث الضخم لما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللّه واليوم الآخر وتطلب نفسه القدوة الطيبة ويذكر اللّه ولا ينساه.
ويحسن أن نلم بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال.إذ كنا لا نملك هنا أن نتناوله بالتفصيل.
خرج رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يعمل في الخندق مع المسلمين.يضرب بالفأس،ويجرف التراب بالمسحاة،ويحمل التراب في المكتل.ويرفع صوته مع المرتجزين،وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل،فيشاركهم الترجيع! وقد كانوا يتغنون بأغان ساذجة من وحي الحوادث الجارية:كان هناك رجل من المسلمين اسمه جعيل،فكره رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - اسمه،وسماه عمرا.فراح العاملون في الخندق يغنون جماعة بهذا الرجز الساذج:
سماه من بعد جعيل عمرا وكان للبائس يوما ظهرا
فإذا مروا في ترجيعهم بكلمة «عمرو» ،قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: «عمرا» .وإذا مروا بكلمة «ظهر» قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: «ظهرا» .
ولنا أن نتصور هذا الجو الذي يعمل فيه المسلمون،والرسول - صلى الله عليه وسلم - بينهم،يضرب بالفأس،ويجرف بالمسحاة،ويحمل في المكتل،ويرجع معهم هذا الغناء.ولنا أن نتصور أية طاقة يطلقها هذا الجو في أرواحهم وأي ينبوع يتفجر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز.
عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ،قَالَ:قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ:كَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثَ وَأَنَا ابْنُ سِتِّ سِنِينَ،وَكَانَتْ قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِخَمْسِ سِنِينَ:-قَالَ ابْنُ عُمَرَ:وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَكْتُبُ الْكِتَابَيْنَ جَمِيعًا كِتَابَ الْعَرَبِيَّةِ،وَكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّةِ،وَأَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَعَ