فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 4997

«إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ،فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما،وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ» ..

هناك عدة روايات عن سبب نزول هذه الآية،أقربها إلى المنطق النفسي المستفاد من طبيعة التصور الذي أنشأه الإسلام في نفوس المجموعة السابقة إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار ..الرواية التي تقول:إن بعض المسلمين تحرجوا من الطواف بالصفا والمروة في الحج والعمرة،بسبب أنهم كانوا يسعون بين هذين الجبلين في الجاهلية،وأنه كان فوقهما صنمان هما أساف ونائلة.فكره المسلمون أن يطوفوا كما كانوا يطوفون في الجاهلية.

روى البخاري عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضى الله عنه - عَنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .فَقَالَ كُنَّا نَرَى أَنَّهُمَا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ،فَلَمَّا كَانَ الإِسْلاَمُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا،فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (158) سورة البقرة [1]

وعَنِ الشَّعْبِيِّ،قَالَ:كَانَ عَلَى الصَّفَا وَثَنٌ يُقَالُ لَهُ إِسَافٌ،وَعَلَى الْمَرْوَةِ وَثَنٌ يُقَالُ لَهُ نَائِلَةُ،فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالُوا:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ إِنَّمَا كَانُوا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِلْوَثَنَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا،وَإِنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ،فَنَزَلَتْ:"إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا" [2] .

ولم يرد تحديد لتاريخ نزول هذه الآية.والأرجح أنها نزلت متأخرة عن الآيات الخاصة بتحويل القبلة.

ومع أن مكة قد أصبحت دار حرب بالنسبة للمسلمين،فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين كانوا يتمكنون أفرادا من الحج ومن العمرة.وهؤلاء هم الذين تحرجوا من الطواف بين الصفا والمروة ..وكان هذا التحرج ثمرة التعليم الطويل،ووضوح التصور الإيماني في نفوسهم،هذا الوضوح الذي يجعلهم يتحرزون ويتوجسون من كل أمر كانوا يزاولونه في الجاهلية.إذ أصبحت نفوسهم من الحساسية في هذه الناحية بحيث تفزع من كل ما كان في الجاهلية،وتتوجس أن يكون منهيا عنه في الإسلام.الأمر الذي ظهر بوضوح في مناسبات كثيرة ..

كانت الدعوة الجديدة قد هزت أرواحهم هزا وتغلغلت فيها إلى الأعماق،فأحدثت فيها انقلابا نفسيا وشعوريا كاملا،حتى لينظرون بجفوة وتحرز إلى ماضيهم في الجاهلية ويحسون أن هذا شطر من حياتهم قد انفصلوا عنه انفصالا كاملا،فلم يعد منهم،ولم يعودوا منه وعاد دنسا ورجسا يتحرزون من الإلمام به! وإن المتابع لسيرة هذه الفترة الأخيرة في حياة القوم ليحس بقوة أثر هذه العقيدة العجيب في تلك النفوس.

(1) - صحيح البخارى- المكنز - (4496 )

(2) - تَفْسِيرُ سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ (232) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت