فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 4997

يحس التغير الكامل في تصور هم للحياة.حتى لكأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أمسك بهذه النفوس فهزها هزة نفضت عنها كل رواسبها،وأعادت تأليف ذراتها على نسق جديد كما تصنع الهزة الكهربية في تأليف ذرات الأجسام على نسق آخر غير الذي كان!

وهذا هو الإسلام ..هذا هو:انسلاخا كاملا عن كل ما في الجاهلية،وتحرجا بالغا من كل أمر من أمور الجاهلية،وحذرا دائما من كل شعور وكل حركة كانت النفس تأتيها في الجاهلية.حتى يخلص القلب للتصور الجديد بكل ما يقتضيه ..فلما أن تم هذا في نفوس الجماعة المسلمة أخذ الإسلام يقرر ما يريد الإبقاء عليه من الشعائر الأولى،مما لا يرى فيه بأسا.ولكن يربطه بعروة الإسلام بعد أن نزعه وقطعه عن أصله الجاهلي.فإذا أتاه المسلم فلا يأتيه لأنه كان يفعله في الجاهلية ولكن لأنه شعيرة جديدة من شعائر الإسلام،تستمد أصلها من الإسلام.

وهنا نجد مثالا من هذا المنهج التربوي العميق.إذ يبدأ القرآن بتقرير أن الصفا والمروة من شعائر الله:

«إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ» ..فإذا أطوف بهما مطوف،فإنما يؤدي شعيرة من شعائر اللّه وإنما يقصد بالطواف بينهما إلى اللّه.ولقد انقطع ما بين هذا الطواف الجديد وطواف الجاهلية الموروث وتعلق الأمر باللّه - سبحانه - لا بأساف ونائلة وغيرهما من أصنام الجاهلية! ومن ثم فلا حرج ولا تأثم.فالأمر غير الأمر،والاتجاه غير الاتجاه: «فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» ..

وقد أقر الإسلام معظم شعائر الحج التي كان العرب يؤدونها،ونفى كل ما يمت إلى الأوثان وإلى أوهام الجاهلية،وربط الشعائر التي أقرها بالتصور الإسلامي الجديد،بوصفها شعائر إبراهيم التي علمه ربه إياها وسيأتي تفصيل هذا عند الكلام على فريضة الحج في موضعه من سياق السورة) ..فأما العمرة فكالحج في شعائرها فيما عدا الوقوف بعرفة دون توقيت بمواقيت الحج.وفي كلا الحج والعمرة جعل الطواف بين الصفا المروة من شعائرهما.

ثم يختم الآية بتحسين التطوع بالخير إطلاقا: «وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ» ..

فيلمح إلى أن هذا الطواف من الخير،وبذلك ينفي من النفوس كل حرج،ويطيب القلوب بهذه الشعائر،ويطمئنها على أن اللّه يعدها خيرا،ويجازي عليها بالخير.وهو يعلم ما تنطوي عليه القلوب من نية وشعور.

ولا بد أن نقف لحظة أمام ذلك التعبير الموحي: «فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ ...» ..إن المعنى المقصود أن اللّه يرضى عن ذلك الخير ويثيب عليه.ولكن كلمة «شاكِرٌ» تلقي ظلالا ندية وراء هذا المعنى المجرد.تلقي ظلال الرضى الكامل،حتى لكأنه الشكر من الرب للعبد.ومن ثم توحي بالأدب الواجب من العبد مع الرب.فإذا كان الرب يشكر لعبده الخير،فماذا يصنع العبد ليوفي الرب حقه من الشكر والحمد؟؟ تلك ظلال التعبير القرآني التي تلمس الحس بكل ما فيها من الندى والرفق والجمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت