وكثيرا ما نخطئ نحن حين نتصور للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولصحابته - رضوان اللّه عليهم - صورة غير حقيقية،أو غير كاملة،نجردهم فيها من كل المشاعر والعواطف البشرية،حاسبين أننا نرفعهم بهذا وننزههم عما نعده نحن نقصا وضعفا! وهذا الخطأ يرسم لهم صورة غير واقعية،صورة ملفعة بهالات غامضة لا نتبين من خلالها ملامحهم الإنسانية الأصيلة.ومن ثم تنقطع الصلة البشرية بيننا وبينهم.وتبقى شخوصهم في حسنا بين تلك الهالات أقرب إلى الأطياف التي لا تلمس ولا تتماسك في الأيدي! ونشعر بهم كما لو كانوا خلقا آخر غيرنا ..ملائكة أو خلقا مثلهم مجردا من مشاعر البشر وعواطفهم على كل حال!
ومع شفافية هذه الصورة الخيالية فإنها تبعدهم عن محيطنا،فلا نعود نتأسى بهم أو نتأثر.يأسا من إمكان التشبه بهم أو الاقتداء العملي في الحياة الواقعية.وتفقد السيرة بذلك أهم عنصر محرك،وهو استجاشة مشاعرنا للأسوة والتقليد.وتحل محلها الروعة والانبهار،اللذان لا ينتجان إلا شعورا مبهما غامضا سحريا ليس له أثر عملي في حياتنا الواقعية ..
ثم نفقد كذلك التجاوب الحي بيننا وبين هذه الشخصيات العظيمة.لأن التجاوب إنما يقع نتيجة لشعورنا بأنهم بشر حقيقيون،عاشوا بعواطف ومشاعر وانفعالات حقيقية من نوع المشاعر والعواطف والانفعالات التي نعانيها نحن.ولكنهم هم ارتقوا بها وصفوها من الشوائب التي تخالج مشاعرنا.
وحكمة اللّه واضحة في أن يختار رسله من البشر،لا من الملائكة ولا من أي خلق آخر غير البشر.كي تبقى الصلة الحقيقية بين حياة الرسل وحياة أتباعهم قائمة وكي يحس أتباعهم أن قلوبهم كانت تعمرها عواطف ومشاعر من جنس مشاعر البشر وعواطفهم،وإن صفت ورفت وارتقت.فيحبوهم حب الإنسان للإنسان ويطمعوا في تقليدهم تقليد الإنسان الصغير للإنسان الكبير.
وفي حادث التخيير نقف أمام الرغبة الطبيعية في نفوس نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - في المتاع كما نقف أمام صورة الحياة البيتية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ونسائه - رضي اللّه عنهن - وهن أزواج يراجعن زوجهن في أمر النفقة! فيؤذيه هذا،ولكنه لا يقبل من أبي بكر وعمر - رضي اللّه عنهما - أن يضربا عائشة وحفصة على هذه المراجعة.فالمسألة مسألة مشاعر وميول بشرية،تصفى وترفع،ولكنها لا تخمد ولا تكبت! ويظل الأمر كذلك حتى يأتيه أمر اللّه بتخيير نسائه.فيخترن اللّه ورسوله والدار الآخرة،اختيارا لا إكراه فيه ولا كبت ولا ضغط فيفرح قلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بارتفاع قلوب أزواجه إلى هذا الأفق السامي الوضيء.
ونقف كذلك أمام تلك العاطفة البشرية الحلوة في قلب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو يحب عائشة حبا ظاهرا ويحب لها أن ترتفع إلى مستوى القيم التي يريدها اللّه له ولأهل بيته فيبدأ بها في التخيير ويريد أن يساعدها على الارتفاع والتجرد فيطلب إليها ألا تعجل في الأمر حتى تستشير أبويها - وقد علم أنهما لم يكونا يأمرانها بفراقه كما قالت - وهذه العاطفة الحلوة في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تخطئ عائشة