فهرس الكتاب
أطلع منها على حقيقتها.وأن تسكب حقيقتها في روحي كأنما هي رحيق أرشفه وأحس سريانه ودبيبه في كياني.حقيقة أذوقها لا معنى أدركه.فكانت رحمة بذاتها.تقدم نفسها لي تفسيرا واقعيا لحقيقة الآية التي تفتحت لي تفتحها هذا.وقد قرأتها من قبل كثيرا.ومررت بها من قبل كثيرا.ولكنها اللحظة تسكب رحيقها وتحقق معناها،وتنزل بحقيقتها المجردة،وتقول:هأنذا ..نموذجا من رحمة اللّه حين يفتحها.فانظر كيف تكون!
إنه لم يتغير شيء مما حولي.ولكن لقد تغير كل شيء في حسي! إنها نعمة ضخمة أن يتفتح القلب لحقيقة كبرى من حقائق هذا الوجود،كالحقيقة الكبرى التي تتضمنها هذه الآية.نعمة يتذوقها الإنسان ويعيشها ولكنه قلما يقدر على تصويرها،أو نقلها للآخرين عن طريق الكتابة.وقد عشتها وتذوقتها وعرفتها.وتم هذا كله في أشد لحظات الضيق والجفاف التي مرت بي في حياتي.وهأنذا أجد الفرج والفرح والري والاسترواح والانطلاق من كل قيد ومن كل كرب ومن كل ضيق.وأنا في مكاني! إنها رحمة اللّه يفتح اللّه بابها ويسكب فيضها في آية من آياته.آية من القرآن تفتح كوة من النور.وتفجر ينبوعا من الرحمة.وتشق طريقا ممهودا إلى الرضا والثقة والطمأنينة والراحة في ومضة عين وفي نبضة قلب وفي خفقة جنان.اللهم حمدا لك.اللهم منزل هذا القرآن.هدى ورحمة للمؤمنين .
الدرس الثالث:3 تذكير الناس بخلق الله ورزقه لهم
ونعود بعد تسجيل هذه الومضة إلى سياق السورة ..فنجده يؤكد في الآية الثالثة إيحاء الآيتين الأولى والثانية فيذكر الناس بنعمة اللّه عليهم وهو وحده الخالق وهو وحده الرازق.الذي لا إله إلا هو ويعجب كيف يصرفون عن هذا الحق الواضح المبين: « يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ؟ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ.فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟» ..
ونعمة اللّه على الناس لا تتطلب إلا مجرد الذكر فإذا هي واضحة بينة،يرونها ويحسونها ويلمسونها،ولكنهم ينسون فلا يذكرون.
وحولهم السماء والأرض تفيضان عليهم بالنعم،وتفيضان عليهم بالرزق وفي كل خطوة،وفي كل لحظة فيض ينسكب من خيرات اللّه ونعمه من السماء والأرض.يفيضها الخالق على خلقه.فهل من خالق غيره يرزقهم بما في أيديهم من هذا الفيض العميم؟ إنهم لا يملكون أن يقولوا هذا،وما كانوا يدعونه وهم في أغلظ شركهم وأضله.فإذا لم يكن هناك خالق رازق غير اللّه،فما لهم لا يذكرون ولا يشكرون؟ وما لهم ينصرفون عن حمد اللّه والتوجه إليه وحده بالحمد والابتهال؟ إنه «لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» فكيف يصرفون عن الإيمان بهذا الحق الذي لا مراء فيه .. «فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ؟» ..وإنه لعجيب أن ينصرف منصرف عن مثل هذا الحق،الذي يواجههم به ما بين أيديهم من الرزق.وإنه لعجيب أن ينصرف عن حمد اللّه وشكره من لا يجد مفرا من الاعتراف بذلك الحق المبين! هذه الإيقاعات الثلاثة