فهرس الكتاب

الصفحة 3665 من 4997

ثم إنه متى فتح اللّه أبواب رحمته فلا ممسك لها.ومتى أمسكها فلا مرسل لها.ومن ثم فلا مخافة من أحد.ولا رجاء في أحد.ولا مخافة من شيء،ولا رجاء في شيء.ولا خوف من فوت وسيلة،ولا رجاء مع الوسيلة.

إنما هي مشيئة اللّه.ما يفتح اللّه فلا ممسك.وما يمسك اللّه فلا مرسل.والأمر مباشرة إلى اللّه .. «وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..يقدر بلا معقب على الإرسال والإمساك.ويرسل ويمسك وفق حكمة تكمن وراء الإرسال والإمساك.

«ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها» ..وما بين الناس ورحمة اللّه إلا أن يطلبوها مباشرة منه،بلا وساطة وبلا وسيلة إلا التوجه إليه في طاعة وفي رجاء وفي ثقة وفي استسلام.

«وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ» .فلا رجاء في أحد من خلقه،ولا خوف لأحد من خلقه.فما أحد بمرسل من رحمة اللّه ما أمسكه اللّه.

أية طمأنينة؟ وأي قرار؟ وأي وضوح في التصورات والمشاعر والقيم والموازين تقره هذه الآية في الضمير؟! آية واحدة ترسم للحياة صورة جديدة وتنشئ في الشعور قيما لهذه الحياة ثابتة وموازين لا تهتز ولا تتأرجح ولا تتأثر بالمؤثرات كلها.ذهبت أم جاءت.كبرت أم صغرت.جلت أم هانت.كان مصدرها الناس أو الأحداث أو الأشياء! صورة واحدة لو استقرت في قلب إنسان لصمد كالطود للأحداث والأشياء والأشخاص والقوى والقيم والاعتبارات.ولو تضافر عليها الإنس والجن.وهم لا يفتحون رحمة اللّه حين يمسكها،ولا يمسكونها حين يفتحها .. «وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» ..

وهكذا أنشأ القرآن بمثل هذه الآية وهذه الصورة تلك الفئة العجيبة من البشر في صدر الإسلام.الفئة التي صنعت على عين اللّه بقرآنه هذا لتكون أداة من أدوات القدرة،تنشئ في الأرض ما شاء اللّه أن ينشئ من عقيدة وتصور،وقيم وموازين،ونظم وأوضاع.وتقر في الأرض ما شاء اللّه أن يقر من نماذج الحياة الواقعة التي تبدو لنا اليوم كالأساطير والأحلام.الفئة التي كانت قدرا من قدر اللّه يسلطه على من يشاء في الأرض فيمحو ويثبت في واقع الحياة والناس ما شاء اللّه من محو ومن إثبات.ذلك أنها لم تكن تتعامل مع ألفاظ هذا القرآن،ولا مع المعاني الجميلة التي تصورها ..وكفى ..ولكنها كانت تتعامل مع الحقيقة التي تمثلها آيات القرآن،وتعيش في واقعها بها،ولها ..

وما يزال هذا القرآن بين أيدي الناس،قادرا على أن ينشئ بآياته تلك أفرادا وفئات تمحو وتثبت في الأرض - بإذن اللّه - ما يشاء اللّه ..ذلك حين تستقر هذه الصور في القلوب،فتأخذها جدا،وتتمثلها حقا.حقا تحسه،كأنها تلمسه بالأيدي وتراه بالأبصار ..

ويبقى أن أتوجه أنا بالحمد للّه على رحمة منه خاصة عرفتها منه في هذه الآية ..

لقد واجهتني هذه الآية في هذه اللحظة وأنا في عسر وجهد وضيق ومشقة.واجهتني في لحظة جفاف روحي،وشقاء نفسي،وضيق بضائقة،وعسر من مشقة ..واجهتني في ذات اللحظة.ويسر اللّه لي أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت