فهرس الكتاب
يبسط اللّه الرزق - مع رحمته - فإذا هو متاع طيب ورخاء وإذا هو رغد في الدنيا وزاد إلى الآخرة.ويمسك رحمته،فإذا هو مثار قلق وخوف،وإذا هو مثار حسد وبغض،وقد يكون معه الحرمان ببخل أو مرض،وقد يكون معه التلف بإفراط أو استهتار.
ويمنح اللّه الذرية - مع رحمته - فإذا هي زينة في الحياة ومصدر فرح واستمتاع،ومضاعفة للأجر في الآخرة بالخلف الصالح الذي يذكر اللّه.ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاء ونكد وعنت وشقاء،وسهر بالليل وتعب بالنهار!
ويهب اللّه الصحة والقوة - مع رحمته - فإذا هي نعمة وحياة طيبة،والتذاذ بالحياة.ويمسك نعمته فإذا الصحة والقوة بلاء يسلطه اللّه على الصحيح القوي،فينفق الصحة والقوة فيما يحطم الجسم ويفسد الروح،ويدخر السوء ليوم الحساب! ويعطي اللّه السلطان والجاه - مع رحمته - فإذا هي أداة إصلاح،ومصدر أمن،ووسيلة لادخار الطيب الصالح من العمل والأثر.ويمسك اللّه رحمته فإذا الجاه والسلطان مصدر قلق على فوتهما،ومصدر طغيان وبغي بهما،ومثار حقد وموجدة على صاحبهما لا يقر له معهما قرار،ولا يستمتع بجاه ولا سلطان،ويدخر بهما للآخرة رصيدا ضخما من النار! والعلم الغزير.والعمر الطويل.والمقام الطيب.كلها تتغير وتتبدل من حال إلى حال ..مع الإمساك ومع الإرسال ..وقليل من المعرفة يثمر وينفع،وقليل من العمر يبارك اللّه فيه.وزهيد من المتاع يجعل اللّه فيه السعادة.والجماعات كالآحاد.والأمم كالأفراد.في كل أمر وفي كل وضع،وفي كل حال ..ولا يصعب القياس على هذه الأمثال!
ومن رحمة اللّه أن تحس برحمة اللّه! فرحمة اللّه تضمك وتغمرك وتفيض عليك.ولكن شعورك بوجودها هو الرحمة.ورجاؤك فيها وتطلعك إليها هو الرحمة.وثقتك بها وتوقعها في كل أمر هو الرحمة.والعذاب هو العذاب في احتجابك عنها أو يأسك منها أو شكك فيها.وهو عذاب لا يصبه اللّه على مؤمن أبدا. «إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ» .
ورحمة اللّه لا تعز على طالب في أي مكان ولا في أي حال.وجدها إبراهيم - عليه السّلام - في النار.
ووجدها يوسف - عليه السّلام - في الجب كما وجدها في السجن.ووجدها يونس - عليه السّلام - في بطن الحوت في ظلمات ثلاث.ووجدها موسى - عليه السّلام - في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة،كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له متربص به ويبحث عنه.ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور.فقال بعضهم لبعض: «فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ» .ووجدها رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهما ويقصون الآثار ..ووجدها كل من آوى إليها يأسا من كل ما سواها.منقطعا عن كل شبهة في قوة،وعن كل مظنة في رحمة،قاصدا باب اللّه وحده دون الأبواب.