فهرس الكتاب

الصفحة 3739 من 4997

بسيطا غير معقد،ويؤدي معناه بأوسع مما تؤديه هذه الصفات كلها مجتمعات! وتلك إحدى بدائع التعبير القرآني الفريد.

وبهذا القلب السليم،استنكر ما عليه قومه واستبشعه.استنكار الحس السليم لكل ما تنبو عنه الفطرة الصادقة من تصور ومن سلوك: «إذ قال لأبيه وقومه:ماذا تعبدون؟ أإفكا آلهة دون اللّه تريدون؟ فما ظنكم برب العالمين؟ ..وهو يراهم يعبدون أصناما وأوثانا.فيهتف بهم هتاف الفطرة السليمة في استنكار شديد.«ماذا تعبدون؟» ماذا؟ فإن ما تعبدون ليس من شأنه أن يعبد،ولا أن يكون له عابدون! وما يعبده الإنسان في شبهة من حق.إنما هو الإفك المحض.والافتراء الذي لا شبهة فيه.فهل أنتم تقصدون إلى الإفك قصدا وإلى الافتراء عمدا: «أإفكا آلهة دون اللّه تريدون؟» وما هو تصوركم للّه؟ وهل يهبط وينحرف إلى هذا المستوي الذي تنكره الفطرة لأول وهلة: «فما ظنكم برب العالمين؟» ..وهي كلمة يبدو فيها استنكار الفطرة السليمة البريئة،وهي تطلع على الأمر البين الذي يصدم الحس والعقل والضمير.ويسقط السياق هنا ردهم عليه،وحوارهم معه ويمضي مباشرة في المشهد التالي إلى عزيمته التي قررها في نفسه تجاه هذا الإفك المكشوف:

«فنظر نظرة في النجوم.فقال:إني سقيم.فتولوا عنه مدبرين.فراغ إلى آلهتهم فقال:ألا تأكلون؟

مالكم لا تنطقون؟ فراغ عليهم ضربا باليمين» ..

ويروى أنه كان للقوم عيد - ربما كان هو عيد النيروز - يخرجون فيه إلى الحدائق والخلوات،بعد أن يضعوا الثمار بين يدي آلهتهم لتباركها.ثم يعودون بعد الفسحة والمرح فيأخذون طعامهم المبارك! وأن إبراهيم - عليه السّلام - بعد أن يئس من استجابتهم له وأيقن بانحراف فطرتهم الانحراف الذي لا صلاح له،اعتزم أمرا.وانتظر هذا اليوم الذي يبعدون فيه عن المعابد والأصنام لينفذ ما اعتزم.وكان الضيق بما هم فيه من انحراف قد بلغ منه أقصاه وأتعب قلبه وقواه،فلما دعي إلى مغادرة المعبد،قلب نظره إلى السماء،وقال: «إني سقيم» ..لا طاقة لي بالخروج إلى المتنزهات والخلوات.فإنما يخرج إليها طلاب اللذة والمتاع،أخلياء القلوب من الهم والضيق - وقلب إبراهيم لم يكن في راحة ونفسه لم تكن في استرواح.قال ذلك معبرا عن ضيقه وتعبه.وأفصح عنه ليتركوه وشأنه.ولم يكن هذا كذبا منه.إنما كان له أصل في واقع حياته في ذلك اليوم.وإن الضيق ليمرض ويسقم ذويه! وكان القوم معجلين ليذهبوا مع عاداتهم وتقاليدهم ومراسم حياتهم في ذلك العيد فلم يتلبثوا ليفحصوا عن أمره،بل تولوا عنه مدبرين،مشغولين بما هم فيه.وكانت هذه هي الفرصة التي يريد.لقد أسرع إلى آلهتهم المدعاة.وأمامها أطايب الطعام وبواكير الثمار.فقال في تهكم: «ألا تأكلون؟» ..

ولم تجبه الأصنام بطبيعة الحال.فاستطرد في تهكمه وعليه طابع الغيظ والسخرية: «ما لكم لا تنطقون؟» ..وهي حالة نفسية معهودة.أن يوجه الإنسان كلامه إلى ما يعلم حقيقته،ويستيقن أنه لا يسمع ولا ينطق! إنما هو الضيق بما وراء الآلهة المزعومة من القوم وتصورهم السخيف! ..ولم تجبه الآلهة مرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت