فهرس الكتاب

الصفحة 3740 من 4997

أخرى!! وهنا أفرغ شحنة الغيظ المكتوم حركة لا قولا: «فراغ عليهم ضربا باليمين» ..وشفى نفسه من السقم والهم والضيق ...!

وينتهي هذا المشهد فيليه مشهد جديد.وقد عاد القوم فاطلعوا على جذاذ الآلهة! ويختصر السياق ما يفصله في سورة أخرى من سؤالهم عمن صنع بآلهتهم هذا الصنع،واستدلالهم في النهاية على الفاعل الجريء.يختصر هذا ليقفهم وجها لوجه أمام إبراهيم! «فأقبلوا إليه يزفون» ..

لقد تسامعوا بالخبر،وعرفوا من الفاعل،فأقبلوا إليه يسرعون الخطى ويحدثون حوله زفيفا ..وهم جمع كثير غاضب هائج،وهو فرد واحد.ولكنه فرد مؤمن.فرد يعرف طريقه.فرد واضح التصور لإلهه.عقيدته معروفة له محدودة.يدركها في نفسه،ويراها في الكون من حوله.فهو أقوى من هذه الكثرة الهائجة المائجة،المدخولة العقيدة،المضطربة التصور.ومن ثم يجبههم بالحق الفطري البسيط لا يبالي كثرتهم وهياجهم وزفيفهم! «قال:أتعبدون ما تنحتون؟ واللّه خلقكم وما تعملون؟» ..

إنه منطق الفطرة يصرخ في وجههم: «أتعبدون ما تنحتون؟» ..والمعبود الحق ينبغي أن يكون هو الصانع لا المصنوع: «واللّه خلقكم وما تعملون» ..فهو الصانع الوحيد الذي يستحق أن يكون المعبود.ومع وضوح هذا المنطق وبساطته،إلا أن القوم في غفلتهم وفي اندفاعهم لم يستمعوا له - ومتى استمع الباطل إلى صوت الحق البسيط؟ - واندفع أصحاب الأمر والنهي فيهم يزاولون طغيانهم في صورته الغليظة: «قالوا:ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم» ..

إنه منطق الحديد والنار الذي لا يعرف الطغاة منطقا سواه عند ما تعوزهم الحجة وينقصهم الدليل.

وحينما تحرجهم كلمة الحق الخالصة ذات السلطان المبين.

ويختصر السياق هنا ما حدث بعد قولتهم تلك،ليعرض العاقبة التي تحقق وعد اللّه لعباده المخلصين ووعيده لأعدائهم المكذبين: «فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين» ..

وأين يذهب كيد العباد إذا كان اللّه يريد؟ وماذا يملك أولئك الضعاف المهازيل - من الطغاة والمتجبرين وأصحاب السلطان وأعوانهم من الكبراء - إذا كانت رعاية اللّه تحوط عباده المخلصين؟ ..

ثم تجيء الحلقة الثانية من قصة إبراهيم ..لقد انتهى أمره مع أبيه وقومه.لقد أرادوا به الهلاك في النار التي أسموها الجحيم،وأراد اللّه أن يكونوا هم الأسفلين ونجاه من كيدهم أجمعين.

عندئذ استدبر إبراهيم مرحلة من حياته ليستقبل مرحلة وطوى صفحة لينشر صفحة: «وقال:إني ذاهب إلى ربي سيهدين» ..هكذا ..إني ذاهب إلى ربي ..إنها الهجرة.وهي هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية.هجرة يترك وراءه فيها كل شيء من ماضي حياته.يترك أباه وقومه وأهله وبيته ووطنه وكل ما يربطه بهذه الأرض،وبهؤلاء الناس.ويدع وراءه كذلك كل عائق وكل شاغل.ويهاجر إلى ربه متخففا من كل شيء،طارحا وراءه كل شيء،مسلما نفسه لربه لا يستبقي منها شيئا.موقن أن ربه سيهديه،وسيرعى خطاه،وينقلها في الطريق المستقيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت