فهرس الكتاب
إنها الهجرة الكاملة من حال إلى حال،ومن وضع إلى وضع،ومن أواصر شتى إلى آصرة واحدة لا يزحمها في النفس شيء.إنه التعبير عن التجرد والخلوص والاستسلام والطمأنينة واليقين.
وكان إبراهيم حتى هذه اللحظة وحيدا لا عقب له وهو يترك وراءه أواصر الأهل والقربى،والصحبة والمعرفة.وكل مألوف له في ماضي حياته،وكل ما يشده إلى الأرض التي نشأ فيها،والتي انحسم ما بينه وبين أهلها الذين ألقوه في الجحيم! فاتجه إلى ربه الذي أعلن أنه ذاهب إليه.اتجه إليه يسأله الذرية المؤمنة والخلف الصالح: «رب هب لي من الصالحين» ..واستجاب اللّه دعاء عبده الصالح المتجرد،الذي ترك وراءه كل شيء،وجاء إليه بقلب سليم .. «فبشرناه بغلام حليم» .
هو إسماعيل - كما يرجح سياق السيرة والسورة - وسنرى آثار حلمه الذي وصفه ربه به وهو غلام.ولنا أن نتصور فرحة إبراهيم الوحيد المفرد المهاجر المقطوع من أهله وقرابته.لنا أن نتصور فرحته بهذا الغلام،الذي يصفه ربه بأنه حليم.
والآن آن أن نطلع على الموقف العظيم الكريم الفريد في حياة إبراهيم.بل في حياة البشر أجمعين.وآن أن نقف من سياق القصة في القرآن أمام المثل الموحي الذي يعرضه اللّه للأمة المسلمة من حياة أبيها إبراهيم .. « فلما بلغ معه السعي.قال:يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك،فانظر ماذا ترى.قال:يا أبت افعل ما تؤمر:ستجدني إن شاء اللّه من الصابرين» ..يا للّه! وبالروعة الإيمان والطاعة والتسليم ..هذا إبراهيم الشيخ.المقطوع من الأهل والقرابة.المهاجر من الأرض والوطن.ها هو ذا يرزق في كبرته وهرمه بغلام.طالما تطلع إليه.فلما جاءه جاء غلاما ممتازا يشهد له ربه بأنه حليم.وها هو ذا ما يكاد يأنس به،وصباه يتفتح،ويبلغ معه السعي،ويرافقه في الحياة ..ها هو ذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد،حتى يرى في منامه أنه يذبحه.ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية.فماذا؟ إنه لا يتردد،ولا يخالجه إلا شعور الطاعة،ولا يخطر له إلا خاطر التسليم ..نعم إنها إشارة.مجرد إشارة.وليست وحيا صريحا،ولا أمرا مباشرا.ولكنها إشارة من ربه ..وهذا يكفي ..هذا يكفي ليلبي ويستجيب.ودون أن يعترض.ودون أن يسأل ربه ..لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد؟! ولكنه لا يلبي في انزعاج،ولا يستسلم في جزع،ولا يطيع في اضطراب ..كلا إنما هو القبول والرضى والطمأنينة والهدوء.يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب: «قال:يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك.فانظر ماذا ترى» ..
فهي كلمات المالك لأعصابه،المطمئن للأمر الذي يواجهه،الواثق بأنه يؤدي واجبه.وهي في الوقت ذاته كلمات المؤمن،الذي لا يهوله الأمر فيؤديه،في اندفاع وعجلة ليخلص منه وينتهي،ويستريح من ثقله على أعصابه! والأمر شاق - ما في ذلك شك - فهو لا يطلب إليه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة.ولا يطلب إليه أن يكلفه أمرا تنتهي به حياته ..إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده.يتولى ماذا؟ يتولى ذبحه ..وهو - مع هذا - يتلقى الأمر هذا التلقي،ويعرض على ابنه هذا العرض ويطلب إليه أن