فهرس الكتاب

الصفحة 3757 من 4997

فذلك كان شأن الملأ من قريش في قولهم:ساحر كذاب.وهم يعلمون أنهم يكذبون فيما يقولون.ويعرفون أنه لم يكن - صلى الله عليه وسلم - بساحر ولا كذاب! وعجبوا كذلك من دعوته إياهم إلى عبادة اللّه الواحد.وهي أصدق كلمة وأحقها بالاستماع: «أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا؟» إن هذا لشيء عجاب.وانطلق الملأ منهم:أن امشوا واصبروا على آلهتكم،إن هذا لشيء يراد.ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق» ..

ويصور التعبير القرآني مدى دهشتهم من هذه الحقيقة الفطرية القريبة .. «أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا؟» كأنه الأمر الذي لا يتصوره متصور! «إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ» ..حتى البناء اللفظي «عُجابٌ» يوحي بشدة العجب وضخامته وتضخيمه! كما يصور طريقتهم في مقاومة هذه الحقيقة في نفوس الجماهير،وتثبيتهم على ما هم عليه من عقيدة موروثة متهافتة.وإيهامهم أن وراء الدعوة الجديدة خبيئا غير ظاهرها وأنهم هم الكبراء العليمون ببواطن الأمور،مدركون لما وراء هذه الدعوة من خبيء! «وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ» ..

فليس هو الدين،وليست هي العقيدة،إنما هو شيء آخر يراد من وراء هذه الدعوة.شيء ينبغي أن تدعه الجماهير لأربابه،ولمن يحسنون فهم المخبآت وإدراك المناورات! وتنصرف هي إلى عادتها الموروثة،وآلهتها المعروفة،ولا تعني نفسها بما وراء المناورة الجديدة! فهناك أربابها الكفيلون بمقاومتها.فلتطمئن الجماهير،فالكبراء ساهرون على مصالحهم وعقائدهم وآلهتهم! إنها الطريقة المألوفة المكرورة التي يصرف بها الطغاة جماهيرهم عن الاهتمام بالشؤون العامة،والبحث وراء الحقيقة،وتدبر ما يواجههم من حقائق خطرة.ذلك أن اشتغال الجماهير بمعرفة الحقائق بأنفسهم خطر على الطغاة،وخطر على الكبراء،وكشف للأباطيل التي يغرقون فيها الجماهير.وهم لا يعيشون إلا بإغراق الجماهير في الأباطيل!

ثم يموهون على الناس بظواهر العقيدة القريبة منهم.عقيدة أهل الكتاب.بعد ما دخلت إليها الأساطير التي حرفتها عن التوحيد الخالص فيقولون: «ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ.إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ» .

وكانت عقيدة التثليث قد شاعت في المسيحية.وأسطورة العزيز قد شاعت كذلك في اليهودية.فكبراء قريش كانوا يشيرون إلى هذا وهم يقولون:«ما سمعنا بهذا التوحيد المطلق للّه.

الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - فما يقول إذن إلا اختلاقا! ولقد حرص الإسلام حرصا شديدا على تجريد عقيدة التوحيد وتخليصها من كل ما علق بها من الأساطير والأوشاب والانحرافات التي طرأت على العقائد التي سبقته.حرص هذا الحرص لأن التوحيد حقيقة أولية كبيرة يقوم عليها هذا الوجود كله ويشهد بها هذا الوجود شهادة واضحة أكيدة.ولأن هذا التوحيد في الوقت ذاته قاعدة لا تصلح الحياة البشرية كلها في أصولها وفروعها إلا إذا قامت عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت