فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 4997

دام اللّه لم يكشف عن علة الحكم فنحن لا نتأولها ولكن نطيع النصوص ولو خفيت علينا حكمتها.فوراءها قطعا حكمة.وليس من الضروري أن نكون نحن ندركها.

يبقى أن القول بهذا يخشى أن يحمل المترخصين على شدة الترخص،وأن تهمل العبادات المفروضة لأدنى سبب.مما جعل الفقهاء يتشددون ويشترطون.ولكن هذا - في اعتقادي - لا يبرر التقييد فيما أطلقه النص.فالدين لا يقود الناس بالسلاسل إلى الطاعات،إنما يقودهم بالتقوى.وغاية هذه العبادة خاصة هي التقوى.

والذي يفلت من أداء الفريضة تحت ستار الرخصة لا خير فيه منذ البدء،لأن الغاية الأولى من أداء الفريضة لا تتحقق.وهذا الدين دين اللّه لا دين الناس.واللّه أعلم بتكامل هذا الدين،بين مواضع الترخص ومواضع التشدد وقد يكون وراء الرخصة في موضع من المصلحة ما لا يتحقق بدونها.بل لا بد أن يكون الأمر كذلك.ومن ثم أمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ المسلمون برخص اللّه التي رخصها لهم [1] .وإذا حدث أن فسد الناس في جيل من الأجيال فإن إصلاحهم لا يتأتى من طريق التشدد في الأحكام ولكن يتأتى من طريق إصلاح تربيتهم وقلوبهم واستحياء شعور التقوى في أرواحهم.وإذا صح التشدد في أحكام المعاملات عند فساد الناس كعلاج رادع،وسد للذرائع،فإن الأمر في الشعائر التعبدية يختلف،إذ هي حساب بين العبد والرب،لا تتعلق به مصالح العباد تعلقا مباشرا كأحكام المعاملات التي يراعى فيها الظاهر.والظاهر في العبادات لا يجدي ما لم يقم على تقوى القلوب.وإذا وجدت التقوى لم يتفلت متفلت،ولم يستخدم الرخصة إلا حيث يرتضيها قلبه،ويراها هي الأولى،ويحس أن طاعة اللّه في أن يأخذ بها في الحالة التي يواجهها.

أما تشديد الأحكام جملة في العبادات أو الميل إلى التضييق من إطلاق الرخص التي أطلقتها النصوص،فقد ينشيء حرجا لبعض المتحرجين.في الوقت الذي لا يجدي كثيرا في تقويم المتفلتين ..والأولى على كل حال أن نأخذ الأمور بالصورة التي أرادها اللّه في هذا الدين.فهو أحكم منا وأعلم بما وراء رخصه وعزائمه من مصالح قريبة وبعيدة ..وهذا هو جماع القول في هذا المجال.

بقي أن نثبت هنا بعض ما روي من السنة في حالات متعددة من حالات السفر،في بعضها كان التوجيه إلى الفطر وفي بعضها لم يقع نهي عن الصيام ..وهي بمجموعها تساعد على تصور ما كان عليه السلف الصالح من إدراك للأمر،قبل أن تأخذ الأحكام شكل التقعيد الفقهي على أيدي الفقهاء المتأخرين.وصورة سلوك أولئك السلف - رضوان اللّه عليهم - أملأ بالحيوية،وألصق بروح هذا الدين وطبيعته،من البحوث الفقهية ومن شأن الحياة معها وفي جوها أن تنشئ في القلب مذاقا حيّا لهذه العقيدة وخصائصها:

(1) - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ،كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ.صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [2 /69] ( 354) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت