فهرس الكتاب

الصفحة 385 من 4997

ولا تشترط وقوع المشقة للأخذ بها كما يشير إلى ذلك الحديثان الأخيران بوجه خاص،وإذا كان الحديث الثامن منها يشير إلى أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وحده ظل مرة صائما مع المشقة هو وعبد اللّه بن رواحة،فقد كانت له - صلى الله عليه وسلم - خصوصيات في العبادة يعفي منها أصحابه.كنهيه لهم عن مواصلة الصوم وهو كان يواصل أحيانا.عَنْ أَنَسٍ رضى الله عنه قَالَ وَاصَلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - آخِرَ الشَّهْرِ،وَوَاصَلَ أُنَاسٌ،مِنَ النَّاسِ فَبَلَغَ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « لَوْ مُدَّ بِىَ الشَّهْرُ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ،إِنِّى لَسْتُ مِثْلَكُمْ،إِنِّى أَظَلُّ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِ » . (أخرجه الشيخان) [1] وثابت من الحديث الأول أنه أفطر وقال عن الذين لم يفطروا:أولئك العصاة.أولئك العصاة.وهذا الحديث متأخر - في سنة الفتح - فهو أحدث من الأحاديث الأخرى.وأكثر دلالة على الاتجاه المختار ..

والصورة التي تنشأ في الحس من مجموع هذه الحالات ..أنه كانت هناك مراعاة لحالات واقعية،تقتضي توجيها معينا - كما هو الشأن في الأحاديث التي تروى في الموضوع العام الواحد،ونجد فيها توجيهات متنوعة - فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يربي وكان يواجه حالات حية.ولم يكن يواجهها بقوالب جامدة! ولكن الانطباع الأخير في الحس في أمر الصوم في السفر هو استحباب الفطر،دون تقيد بحصول المشقة بالفعل ..

أما المرض فلم أجد فيه شيئا إلا أقوال الفقهاء،والظاهر أنه مطلق في كل ما يثبت له وصف المرض،بلا تحديد في نوعه وقدره ولا خوف شدته،على وجوب القضاء يوما بيوم في المرض والسفر،من غير موالاة في أيام القضاء على الرأي الأرجح.

وقد استطردت هذا الاستطراد لا لأخوض في خلافات فقهية ولكن لتقرير قاعدة في النظر إلى الشعائر التعبدية،وارتباطها الوثيق بإنشاء حالة شعورية هي الغاية المقدمة منها.وهذه الحالة هي التي تحكم سلوك المتعبد وعليها الاعتماد الأول في تربية ضميره،وحسن أدائه للعبادة وحسن سلوكه في الحياة ..هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى أن نأخذ هذا الدين - كما أراده اللّه - بتكاليفه كلها،طاعة وتقوى وأن نأخذه جملة بعزائمه ورخصه،متكاملا متناسقا،في طمأنينة إلى اللّه،ويقين بحكمته،وشعور بتقواه.

ثم نعود إلى استكمال السياق: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ،فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ،وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» ..

وفي أول الأمر كان تكليف الصوم شاقا على المسلمين - وقد فرض في السنة الثانية من الهجرة قبيل فرض الجهاد - فجعل اللّه فيه رخصة لمن يستطيع الصوم بجهد - وهو مدلول يطيقونه - فالإطاقة الاحتمال بأقصى جهد - جعل اللّه هذه الرخصة،وهي الفطر مع إطعام مسكين ..ثم حببهم في

(1) - صحيح البخارى- المكنز [24 /23] (7241 ) وصحيح مسلم- المكنز [7 /117] (2626 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت