فهرس الكتاب
«أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ» أي إنها هي راسية،وهي ترسي الأرض،وتحفظ توازنها فلا تميد ..ولقد غير زمان كان الناس يحسبون أن أرضهم هذه ثابتة راسخة على قواعد متينة!
ثم جاء زمان يقال لهم فيه الآن:إن أرضكم هذه إن هي إلا كرة صغيرة سابحة في فضاء مطلق،لا تستند إلى شيء ..ولعلهم يفزعون حين يقال لهم هذا الكلام أول مرة أو لعل منهم من ينظر بوجل عن يمينه وعن شماله خيفة أن تتأرجح به هذه الأرض أو تسقط في أعماق الفضاء! فليطمئن.فإن يد اللّه تمسكها أن تزول هي والسماء.ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده! وليطمئن فإن النواميس التي تحكم هذا الكون متينة من صنع القوي العزيز! ونعود إلى الجبال فنجد القرآن يقول إنها «رَواسِيَ» وإنها كذلك ترسي الأرض فلا تميد.ولعلها - كما قلنا في موضع آخر من هذه الظلال - تحفظ التناسق بين القيعان في المحيطات والمرتفعات في الأرض فتتوازن فلا تميد.
وهذا عالم يقول: « إن كل حدث يحدث في الأرض،في سطحها أو فيما دون سطحها،يكون من أثره انتقال مادة من مكان إلى مكان يؤثر في سرعة دورانها.فليس المد والجزر هو العامل الوحيد في ذلك. (أي في بطء سرعة الأرض كما قال قبل هذه الفقرة) حتى ما تنقله الأنهار من مائها من ناحية في الأرض إلى ناحية يؤثر في سرعة الدوران.وما ينتقل من رياح يؤثر في سرعة الدوران.وسقوط في قاع البحار،أو بروز في سطح الأرض هنا أو هنا يؤثر في سرعة الدوران ..ومما يؤثر في سرعة هذا الدوران أن تتمدد الأرض أو تنكمش بسبب ما.ولو انكماشا أو تمددا طفيفا لا يزيد في قطرها أو ينقص منه إلا بضع أقدام» [1] .
فهذه الأرض الحساسة إلى هذا الحد،لا عجب أن تكون الجبال الرواسي حافظة لتوازنها ومانعة: «أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ» كما جاء في القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا.
«وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها» ..وقد كانت هذه الفقرة تنقل إلى أذهان أسلافنا صورة الزرع النامي في هذه الأرض وبعض ما خبأه اللّه في جوف الأرض من معادن نافعة كالذهب والفضة والحديد وما إليها ..فأما اليوم بعد ما كشف اللّه للإنسان أشياء كثيرة من بركته في الأرض ومن أقواتها التي خزنها فيها على أزمان طويلة،فإن مدلول هذه الفقرة يتضاعف في أذهاننا ..
وقد رأينا كيف تعاونت عناصر الهواء فكونت الماء.وكيف تعاون الماء والهواء والشمس والرياح فكونت التربة الصالحة للزرع.وكيف تعاون الماء والشمس والرياح فكونت الأمطار أصل الماء العذب كله من أنهار ظاهرة وأنهار باطنة تظهر في شكل ينابيع وعيون وآبار ..وهذه كلها من أسس البركة ومن أسس الأقوات.وهناك الهواء.ومن الهواء أنفاسنا وأجسامنا ..
(1) - عن كتاب «مع اللّه في السماء» للدكتور أحمد زكي. ( السيد رحمه الله )