فهرس الكتاب

الصفحة 3872 من 4997

من ساحات أكبر وأشد هولا» [1] وهذا الكلام قد يكون صحيحا لأنه أقرب ما يكون إلى مدلول الحقيقة القرآنية: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ» ..وإلى أن خلق السماوات تم في زمن طويل.في يومين من أيام اللّه.

ثم نقف أمام الحقيقة الهائلة: «فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا.قالَتا:أَتَيْنا طائِعِينَ» ..

إنها إيماءة عجيبة إلى انقياد هذا الكون للناموس،وإلى اتصال حقيقة هذا الكون بخالقه اتصال الطاعة والاستسلام لكلمته ومشيئته.فليس هنالك إذن إلا هذا الإنسان الذي يخضع للناموس كرها في أغلب الأحيان.

إنه خاضع حتما لهذا الناموس،لا يملك أن يخرج عنه،وهو ترس صغير جدا في عجلة الكون الهائلة والقوانين الكونية الكلية تسري عليه رضي أم كره.ولكنه هو وحده الذي لا ينقاد طائعا طاعة الأرض والسماء.إنما يحاول أن يتفلت،وينحرف عن المجرى الهين اللين فيصطدم بالنواميس التي لا بد أن تغلبه - وقد تحطمه وتسحقه - فيستسلم خاضعا غير طائع.إلا عباد اللّه الذين تصطلح قلوبهم وكيانهم وحركاتهم وتصوراتهم وإراداتهم ورغباتهم واتجاهاتهم ..تصطلح كلها مع النواميس الكلية،فتأتي طائعة،وتسير هينة لينة،مع عجلة الكون الهائلة،متجهة إلى ربها مع الموكب،متصلة بكل ما فيه من قوى،.وحينئذ تصنع الأعاجيب،وتأتي بالخوارق،لأنها مصطلحة مع الناموس،مستمدة من قوته الهائلة،وهي منه وهو مشتمل عليها في الطريق إلى اللّه «طائِعِينَ» ..

إننا نخضع كرها.فليتنا نخضع طوعا.ليتنا نلبي تلبية الأرض والسماء.في رضى وفي فرح باللقاء مع روح الوجود الخاضعة المطيعة الملبية المستسلمة للّه رب العالمين.

إننا نأتي أحيانا حركات مضحكة ..عجلة القدر تدور بطريقتها.وبسرعتها.ولوجهتها.وتدير الكون كله معها.وفق سنن ثابتة ..ونأتي نحن فنريد أن نسرع.أو أن نبطئ.نحن من بين هذا الموكب الضخم الهائل.

نحن بما يطرؤ على نفوسنا - حين تنفك عن العجلة وتنحرف عن خط السير - من قلق واستعجال وأنانية وطمع ورغبة ورهبة ..ونظل نشرد هنا وهناك والموكب ماض.ونحتك بهذا الترس وذاك ونتألم.ونصطدم هنا وهناك ونتحطم.والعجلة ماضية في سرعتها وبطريقتها إلى وجهتها.وتذهب قوانا وجهودنا كلها سدى.فأما حين تؤمن قلوبنا حقا،وتستسلم للّه حقا،وتتصل بروح الوجود حقا.فإننا - حينئذ - نعرف دورنا على حقيقته وننسق بين خطانا وخطوات القدر ونتحرك في اللحظة المناسبة بالسرعة المناسبة،في المدى المناسب.نتحرك بقوة الوجود كله مستمدة من خالق الوجود.ونصنع أعمالا

(1) - عن كتاب «مع اللّه في السماء» للدكتور أحمد زكي . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت