فهرس الكتاب

الصفحة 3922 من 4997

وهذا الشعور ألزم ما يكون لمن توكل إليه مهمة القيادة كي لا يقنط إذ أعرض عنه القطيع الشارد أو أوذي في الدعوة ولا يغتر إذا ما استجابت له الجماهير،أو دانت له الرقاب.فإنما هو أجير.

ولقد آمنت العصبة الأولى من المسلمين إيمانا كاملا أثر في نفوسهم وأخلاقهم وسلوكهم تأثيرا عجيبا.وكانت صورة الإيمان في نفس البشرية قد بهتت وغمضت حتى فقدت تأثيرها في أخلاق الناس وسلوكهم،فلما أن جاء الإسلام أنشأ صورة للإيمان حية مؤثرة فاعلة تصلح بها هذه لاعصبة للقيادة التي وضعت على عاتقها.

يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه: «ما ذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» .عن هذا الإيمان:

«انحلت العقدة الكبرى - عقدة الشرك والكفر - فانحلت العقد كلها وجاهدهم الرسول جهاده الأول،فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهي وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى،فكان النصر حليفه في كل معركة وقد دخلوا في السلم كافة بقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم كافة،لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى،ولا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى،ولا يكون لهم الخيرة من بعد ما أمر أو نهى ...» [1]

« حتى إذا خرج حظ الشيطان من نفوسهم - بل خرج حظ نفوسهم من نفوسهم - وأنصفوا من أنفسهم إنصافهم من غيرهم،وأصبحوا في الدنيا رجال الآخرة،وفي اليوم رجال الغد،لا تجزعهم مصيبة،ولا تبطرهم نعمة،ولا يشلغهم فقر،ولا يطغيهم غنى،ولا تلهيهم تجارة،ولا تستخفهم قوة،ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا،وأصبحوا للناس القسطاس المستقيم،قوامين بالقسط شهداء للّه على أنفسهم أو الوالدين والأقربين ..وطأ لهم أكناف الأرض،وأصبحوا عصمة للبشرية،ووقاية للعالم.وداعية إلى دين اللّه ..» [2]

ويقول عن تأثير الإيمان الصحيح في الأخلاق والميول:«كان الناس عربا وعجما يعيشون حياة جاهلية،يسجدون فيها لكل ما خلق لأجلهم ويخضع لإرادتهم وتصرفهم،لا يثيب الطائع بجائزة،ولا يعذب العاصي بعقوبة،ولا يأمر ولا ينهى فكانت الديانة سطحية طافية في حياتهم،ليس لها سلطان على أرواحهم ونفوسهم وقلوبهم،ولا تأثير لها في أخلاقهم واجتماعهم.

كانوا يؤمنون باللّه كصانع أتم عمله واعتزل وتنازل عن مملكته لأناس خلع عليهم خلعة الربوبية فأخذوا بأيديهم أزمة الأمر،وتولوا إدارة المملكة وتدبير شؤونها وتوزيع أرزاقها،إلى غير ذلك من مصالح الحكومة المنظمة.فكان إيمانهم باللّه لا يزيد على معرفة تاريخية،وكان إيمانهم باللّه،وإحالتهم خلق السماوات والأرض إلى اللّه لا يختلف عن جواب تلميذ من تلاميذ فن التاريخ،يقال له:من بنى هذا القصر العتيق؟ فيسمي ملكا من الملوك الأقدمين من غير أن يخافه ويخضع له فكان دينهم عاريا

(1) - ص 73 الطبعة الثانية. ( السيد رحمه الله )

(2) -ص 74 الطبعة الثانية. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت