فهرس الكتاب

الصفحة 3923 من 4997

عن الخشوع للّه ودعائه،وما كانوا يعرفون عن اللّه ما يحببه إليهم،فكانت معرفتهم مبهمة غامضة،قاصرة مجملة،لا تبعث في نفوسهم هيبة ولا محبة ..

«..انتقل العرب والذين أسلموا من هذه المعرفة العليلة الغامضة الميتة إلى معرفة عميقة واضحة روحية ذات سلطان على الروح والنفس والقلب والجوارح،ذات تأثير في الأخلاق والاجتماع،ذات سيطرة على الحياة وما يتصل بها.آمنوا باللّه الذي له الأسماء الحسنى والمثل الأعلى.آمنوا برب العالمين،الرحمن الرحيم،مالك يوم الدين،الملك،القدوس،السّلام،المؤمن،المهيمن،العزيز،الجبار،المتكبر،الخالق،البارئ،المصور،العزيز،الحكيم،الغفور،الودود،الرؤوف،الرحيم،له الخلق والأمر،بيده ملكوت كل شيء،يجير ولا يجار عليه ..إلى آخر ما جاء في القرآن من وصفه.يثيب بالجنة ويعذب بالنار،ويبسط الرزق لمن يشاء ويقدر،يعلم الخبء في السماوات والأرض،يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.إلى آخر ما جاء في القرآن من قدرته وتصرفه وعلمه.فانقلبت نفسيتهم بهذا الإيمان الواسع العميق الواضح انقلابا عجيبا.فإذا آمن أحد باللّه وشهد أن لا إله إلا اللّه انقلبت حياته ظهرا لبطن.تغلغل الإيمان في أحشائه وتسرب إلى جميع عروقه ومشاعره،وجرى منه مجرى الروح والدم،واقتلع جراثيم الجاهلية وجذورها،وغمر العقل والقلب بفيضانه،وجعل منه رجلا غير الرجل،وظهر منه من روائع الإيمان واليقين والصبر والشجاعة،ومن خوارق الأفعال والأخلاق ما حير العقل والفلسفة وتاريخ الأخلاق،ولا يزال موضع حيرة ودهشة منه إلى الأبد،وعجز العلم عن تعليله بشيء غير الإيمان الكامل العميق» [1] .

« وكان هذا الإيمان مدرسة خلقية وتربية نفسية تملي على صاحبها الفضائل الخلقية من صرامة إرادة وقوة نفس،ومحاسبتها والإنصاف منها،وكان أقوى وازع عرفه تاريخ الأخلاق وعلم النفس عن الزلات الخلقية والسقطات البشرية حتى إذا جمحت السورة البهيمية في حين من الأحيان،وسقط الإنسان سقطة وكان ذلك حيث لا تراقبه عين،ولا تتناوله يد القانون،تحول هذا الإيمان نفسا لوامة عنيفة،ووخزا لاذعا للضمير،وخيالا مروعا،لا يرتاح معه صاحبه حتى يعترف بذنبه أمام القانون،ويعرض نفسه للعقوبة الشديدة،ويتحملها مطمئنا مرتاحا،تفاديا من سخط اللّه وعقوبة الآخرة » [2] ..

«..وكان هذا الإيمان حارسا لأمانة الإنسان وعفافه وكرامته،يملك نفسه النزع أمام المطامع والشهوات الجارفة وفي الخلوة والوحدة حيث لا يراه أحد،وفي سلطانه ونفوذه حيث لا يخاف أحدا.وقد وقع في تاريخ الفتح الإسلامي من قضايا العفاف عند المغنم،وأداء الأمانات إلى

(1) - ص 75-76 الطبعة الثانية. ( السيد رحمه الله )

(2) -ص 76. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت