فهرس الكتاب
روح هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - روح هذا الإنسان.كيف يا ترى كانت تحس بهذه الصلة وهذا التلقي؟ كيف كانت تتفتح؟ كيف كان ينساب فيها ذلك الفيض؟ كيف كانت تجد الوجود في هذه اللحظات العجيبة التي يتجلى فيها اللّه على الوجود والتي تتجاوب جنباته كلها بكلمات اللّه؟
ثم ..أية رعاية؟ وأية رحمة؟ وأية مكرمة؟ ..واللّه العلي الكبير يتلطف فيعنى بهذه الخليقة الضئيلة المسماة بالإنسان.فيوحي إليها لإصلاح أمرها،وإنارة طريقها،ورد شاردها ..وهي أهون عليه من البعوضة على الإنسان،حين تقاس إلى ملكه الواسع العريض؟.
إنها حقيقة.ولكنها أعلى وأرفع من أن يتصورها الإنسان إلا تطلعا إلى الأفق السامق الوضيء: «وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ.وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا.وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ» .
« وَكَذلِكَ» .بمثل هذه الطريقة،وبمثل هذا الاتصال. «أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» ..فالوحي تم بالطريقة المعهودة.ولم يكن أمرك بدعا.أوحينا إليك «رُوحًا مِنْ أَمْرِنا» ..فيه حياة،يبث الحياة ويدفعها ويحركها وينميها في القلوب وفي الواقع العملي المشهود. «ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ» ..هكذا يصور نفس رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو أعلم بها،قبل أن تتلقى هذا الوحي.وقد سمع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عن الكتاب وسمع عن الإيمان،وكان معروفا في الجزيرة العربية أن هناك أهل كتاب فيمن معهم،وأن لهم عقيدة.
فليس هذا هو المقصود.إنما المقصود هو اشتمال القلب على هذه الحقيقة والشعور بها والتأثر بوجودها في الضمير.وهذا ما لم يكن قبل هذا الروح من أمر اللّه الذي لابس قلب محمد - عليه صلوات اللّه.
«وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ» ..وهذه طبيعته الخالصة.طبيعة هذا الوحي.هذا الروح.هذا الكتاب.إنه نور.نور تخالط بشاشته القلوب التي يشاء لها اللّه أن تهتدي به،بما يعلمه من حقيقتها،ومن مخالطة هذا النور لها. «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» ..وهناك توكيد على تخصيص هذه المسألة،مسألة الهدى،بمشيئة اللّه سبحانه،وتجريدها من كل ملابسة،وتعليقها باللّه وحده يقدرها لمن يشاء بعلمه الخاص،الذي لا يعرفه سواه والرسول - صلى الله عليه وسلم - واسطة لتحقيق مشيئة اللّه،فهو لا ينشئ الهدى في القلوب ولكن يبلغ الرسالة،فتقع مشيئة اللّه.
« وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ» ..فهي الهداية إلى طريق اللّه،الذي تلتقي عنده المسالك.لأنه الطريق إلى المالك،الذي له ما في السماوات وما في الأرض فالذي يهتدي إلى طريقه يهتدي إلى ناموس السماوات والأرض،وقوى السماوات والأرض،ورزق السماوات والأرض،واتجاه السماوات والأرض إلى مالكها العظيم.الذي إليه تتجه،والذي إليه تصير: «أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ» ..فكلها تنتهي إليه،وتلتقي عنده،وهو يقضي فيها