ويسألون ماذا ينفقون؟ من أي نوع من مالهم ينفقون؟ وأي قدر وأية نسبة مما يملكون؟
ويسألون عن القتال في الشهر الحرام وعند المسجد الحرام.هل يجوز؟
ويسألون عن الخمر والميسر ما حكمهما؟ وقد كانوا أهل خمر في الجاهلية وأهل ميسر! ويسألون عن المحيض؟ وعلاقتهم بنسائهم في فترته.ثم يسألون عن أشياء في أخص علاقاتهم بأزواجهم،وأحيانا تسأل فيها الزوجات أنفسهن.
وقد وردت أسئلة أخرى في موضوعات متنوعة في سور أخرى من القرآن أيضا ..
وهذه الأسئلة ذات دلالات شتى:
فهي أولا دليل على تفتح وحيوية ونمو في صور الحياة وعلاقاتها،وبروز أوضاع جديدة في المجتمع الذي جعل يأخذ شخصيته الخاصة،ويتعلق به الأفراد تعلقا وثيقا فلم يعودوا أولئك الأفراد المبعثرين،ولا تلك القبائل المتناثرة.إنما عادوا أمة لها كيان،ولها نظام،ولها وضع يشد الجميع إليه ويهم كل فرد فيه أن يعرف خطوطه وارتباطاته ..وهي حالة جديدة أنشأها الإسلام بتصوره ونظامه وقيادته على السواء ..حالة نمو اجتماعي وفكري وشعوري وإنساني بوجه عام.
وهي ثانيا دليل على يقظة الحس الديني،وتغلغل العقيدة الجديدة وسيطرتها على النفوس،مما يجعل كل أحد يتحرج أن يأتي أمرا في حياته اليومية قبل أن يستوثق من رأي العقيدة الجديدة فيه،فلم تعد لهم مقررات سابقة في الحياة يرجعون إليها،وقد انخلعت قلوبهم من كل مألوفاتهم في الجاهلية،وفقدوا ثقتهم بها ووقفوا ينتظرون التعليمات الجديدة في كل أمر من أمور الحياة ..وهذه الحالة الشعورية هي الحالة التي ينشئها الإيمان الحق.عندئذ تتجرد النفس من كل مقرراتها السابقة وكل مألوفاتها،وتقف موقف الحذر من كل ما كانت تأتيه في جاهليتها،وتقوم على قدم الاستعداد لتلقي كل توجيه من العقيدة الجديدة،لتصوغ حياتها الجديدة على أساسها،مبرأة من كل شائبة.فإذا تلقت من العقيدة الجديدة توجيها يقربعض جزئيات من مألوفها القديم تلقته جديدا مرتبطا بالتصور الجديد.إذ ليس من الحتم أن يبطل النظام الجديد كل جزئية في النظام القديم ولكن من المهم أن ترتبط هذه الجزئيات بأصل التصور الجديد،فتصبح جزءا منه،داخلا في كيانه،متناسقا مع بقية أجزائه ..كما صنع الإسلام بشعائر الحج التي استبقاها.فقد أصبحت تنبثق من التصور الإسلامي،وتقوم على قواعده،وأنبتت علاقتها بالتصورات الجاهلية نهائيا.
والدلالة الثالثة تؤخذ من تاريخ هذه الفترة وقيام اليهود في المدينة والمشركين في مكة بين الحين والحين بمحاولة التشكيك في قيمة النظم الإسلامية،وانتهاز كل فرصة للقيام بحملة مضللة على بعض التصرفات والأحداث - كما وقع في سرية عبد اللّه بن جحش وما قيل من اشتباكها في قتال مع المشركين في الأشهر الحرم - مما كان يستدعي بروز بعض الاستفهامات والإجابة عليها،بما يقطع الطريق على تلك المحاولات ويسكب الطمأنينة واليقين في قلوب المسلمين ..ومعنى هذه الدلالة أن